Home

 

تفكيك الكنيسة في الإسلام

في العصور السالفة تميز الإسلام بالبساطة والتلقائية؛ فعندما سُئل إبراهيم r – وهو نموذج المسلم الحق لكل الأجيال القادمة – أن يُسْـلِم (إرادته لله) فعل ذلك بكل تلقائية قائلاً:

(... قال اسلمت لرب العلمين) [البقرة 131]

وكذلك الحال بالنسبة لملكة سبأ التي قبلت الحقيقة على الفور بمجرد أن اتضح لها أن سليمان r لم يكن مجرد ملك عادي بل رسول من عند الله I, واعترفت قائلة:

(... قالت رب انى ظلمت نفسى واسلمت مع سليمن لله رب العلمين)

فلإسلام لله كان أمرًا يسيرًا حتى جاءت الأديان المنظمة على الساحة.

ولم يحدث في تاريخ الإنسانية أن هُزم الدين بالإلحاد أو باللادينية, بل عدوه اللدود كان غالبًا هو الدين المنظم أو المؤسس؛ ففي العهد الجديد نجد عيسى r يعنف الفريسسين (وهم الحاخامات على عهد عيسىr) بلا هوادة لتجاهلهم أهم الأشياء وهي العدل والرحمة والإيمان. أما قادة الدين المنظم، فهم بالرغم مما يتظاهرون به من التقى والورع إلا أنهم في الحقيقة منافقون "يعفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل". وها هو ذا نص كلام المسيح  الذي يقول فيه:

"ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تشبهون قبورًا مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من الداخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة." (متَّى 23-27)

ويخبرنا القرآن أن أحد أهداف النبي الأمي  بمكة هو أن يخفف عن الإنسانية نير الشكلية الدينية وإصرها:

(... ويضع عنهم اصرهم والاغلل التى كانت عليهم) [لأعراف 157]

لم يعترف الإسلام بدور كنسي لبيت العبادة أو بجماعة معينة من الناس لتأدية الشعائر الدينية, بل إنه كلف كل فرد أن يكون هو نفسه "البابا" وهو نفسه الوسيط بين نفسه وبين الله I. لكن بالرغم من هذا الموقف الأيديولوجي الواضح, إلا أنه بمرور الوقت بدأت بالتدريج تظهر ظاهرة تشبه (دور) الكنيسة. وهذه الظاهرة ظهرت خلسة بين جماعة المسلمين وقامت مجموعة من العلماء، ممن يُعتبرون قطاع طرق في الدين، بأن احتكروا حق تأويل كلام الله I. وهذا لم يحدث بين يوم وليلة, فنحن هنا نشير إلى الانحراف الرئيسي في تاريخنا الفكري, وهي نقطة سأعود إليها فيما بعد.

نظر الجيل الأول للمسلمين إلى القرآن على أنه كتاب هداية للناس كافة, العامة منهم والخاصة على السواء, وهو ما يسميه القرآن "هدىً للناس" أو "بيانًا للناس" وفقًا للتعبير القرآني. أما القضايا التي تذكر بصراحة في الكتاب, فلم يألُ الرعيل الأول من المسلمين جهدًا في التوصل إلى اتفاق بشأنها؛ حيث وضعوا في اعتبارهم القواعد العامة التي أرساها القرآن لعمل التوازن بين العدل والرحمة. هذه الأحكام رغم أنها فتنت لـُبـَاب الصفوة وقتذاك لم تكن حقائق جامدة أو أبدية تحتكم إلى نفس أسس العدالة حتى وإن تغيرت الظروف تغيرًا تامًّا؛ فعندما اضطر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب  إلى أن يُعَـدِّل بعضًا من الأحكام التي كانت سارية في عهد الخليفة السابق أبي بكر الصديق  أو حتى في عهد النبي r نفسه فإنه إنما كان يرسخ مبدءًا عامًّا وهو أن الإنسان عليه أن ينظر إلى روح الحكم لا الحكم نفسه. إن عمر t قام بتغيير جذري في الأحكام (السنن) التي أرساها من سبقوه. فعلى سبيل المثال, اتخذ عمر t موقفًا مغايرًا تمام المغايرة بالنسبة للإعانات المالية التي كان يأخذها "المؤلفة قلوبهم", وهي أموال كانت تُدفع لأعداء محتملين حتى تهدئ روعهم أو لتأليف قلوب الداخلين الجدد في الدين. وأدخل عمر t أيضًا تغييرات جوهرية في توزيع الغنائم واتخذ موقفًا ثابتًا بخصوص طبيعة الأرض التي يفتحها المسلمون, لأنه كان على وعي بأن ما اتخذه من إجراءات إنما كان الغرض منه هو تأكيد العدل لاختلاف الظرف.

وفي صدر الإسلام اعتاد الخليفة واعتاد ولاته كذلك أن يأخذوا الحكمة المتراكمة للأجيال في الاعتبار قبل اتخاذ أي قرار بشأن مسألة هم بصددها تتطلب النظر في الأحكام المستقرة - أو السنن كما يسمونها؛ حيث كان العدل هو اهتمامهم الأول وشغلهم الشاغل على أساس من هداية القرآن، فقد كان من الحكمة دائمًا الاستفادة من العقول البشرية لتقييم ما إذا كانت سنة بعينها أو معروفًا بعينه ما زال يحمل العدل. وهؤلاء الذين شـُغلوا بهذا النشاط الفكري قد أُخِذ كلامهم بكثير من الاحترام, وكانوا يُسَمَّون بـ "أهل الرأي". لكن الإفادة من الحكمة المتراكمة شيء والبحث عن المشروعية شيء آخر, فحتى نهاية القرن الأول من الهجرة كان "أهل الرأي" من الرفعة بمكان؛ حيث كان هناك اعتراف اجتماعي بالثقة في آرائهم الفردية. لكن مع بداية القرن الثاني الهجري, وبسبب حالة التحزب التي امتدت حتى شملت جامعي الأحاديث فقد تغير المشهد الفكري بالتدريج؛ فلو كانت السنن يُنـْظر إليها باعتبارها إفادة من الحكمة المتراكمة, فإنهم مالوا إلى الرأي بأن الحديث النبوي حتى وإن كانت سلسلة سنده مطعونًا فيها هو الفرصة الأفضل لإثراء فهمنا. وبنهاية القرن الثاني, كان لدعاة هذه الرؤية – وهم ما يُطلق عليهم "أهل الحديث" – اليد العليا, بل إنهم وسموا "أهل الرأي" بأنهم "أهل الهوى والبدع". وقد تـُوِّجت جهود هذا الاتجاه الجديد الباحث عن المشروعية في الحديث النبوي في كل أمر من الأمور بإخراج عديد من كتب الأحاديث, وأبرز مثال لها هو "مسند أحمد", وهو مختصر يحوي أربعين ألف حديث. وقيل إن أبا حنيفة وهو واحد من أطول الناس باعًا بين أهل الرأي قد قــَبــِل سبعة عشر حديثًا فحسب, ومع ذلك شعر بأنه مضطر أن يُعْمِـل عقله في المسائل التي هو بصددها.

إن الاتجاه الجديد في البحث عن المشروعية في غير القرآن وفي المادة التاريخية التي غربلها الإدراك الفردي للرواة كان له أثر مدمر على عقلية المسلم. ومن الخطأ الزعم بأن مفتاح فهم القرآن يكمن في المادة التاريخية (أقوال الأثر) المحفوظة في عديد من المجلدات والتي لا يتحدث بشأنها إلا المتخصصون فحسب, لكن الذي حدث من جراء ذلك هو أن الرجل العادي قد استغلق فهمه للقرآن. وفيما بعد, فُرضت قيود أشد صرامة على أولئك الذين يرغبون في الحديث عن قضايا دينية؛ فبعضهم ادعى أنه يجب على من يتجرد للفتوى أن يحفظ على الأقل ثلاثمائة ألف حديث، بل إن بعضهم قال إنه يجب على من يعمل بالفتوى أن يحفظ كتاب "المبسوط". أما القرآن, فقد ساد الزعم بأن من يتناولون النص القرآني يجب أن يكونوا من أولئك النفر الذين لهم علم واسع بمدونات الحديث وبالسياق التاريخي وكذلك بالناسخ والمنسوخ. باختصار, انتهى الأمر إلى الاعتقاد بأن كتاب الله لم يُـقصد به إلا الصفوة المتعلمة وحدهم, أو "الراسخون في العلم", ففي رسالته الشهيرة "الرسالة" وفي معرض حديثه عن تأييد الإجماع والأساس المنطقي له, حدا الأمر به [أي الإمام الشافعي] أن يدعي أنه بخلاف العلماء أو المتخصصين فإن الرجل العادي لا إلزام عليه أن يفهم مثل هذه القضايا.

إن القرآن كما أنزل على محمد  متاح لنا حتى اليوم, لكن علماء المسلمين – وهم الكنيسة الخفية أو الفاتيكان غير المرئي – لا يسمحون لنا أن نتفاعل مع الوحي بطريقـتـنا؛ فنحن أحرار في التلاوة لكننا لسنا أحرارًا في التأويل. وبدلاً من الاعتماد الوحيد على النص الموحى به, فقد قيل لنا نحن المسلمين عبر قرون أن الشريعة الإسلامية تبنى على أربعة أصول: القرآن والحديث والإجماع والقياس. ونحن لا نرتكب خطأً عاديًّا بوضع الوحي على قدم المساواة مع المكونات التاريخية والأدوات المنطقية, فبينما الوحي يمكن أن يطمئننا إلى الوجهة التي نبتغيها فإن القياس العقلي – وهو ما يمكن أن نطلق عليه "الاستحسان" أو "الاستصلاح" أو "المصالح المرسلة" بناءً على مكوِّن تاريخي بعينه, يمكن أن يذهب بنا في اتجاهات متعارضة, ولا نعدم من الظرفاء من يدعي أن "الإجماع" هو حكم نهائي لكل الأزمان التالية وأن المسألة قد ختمت وإلى الأبد, بل منهم من يجرؤ على وضع "الإجماع" في مرتبة أعلى من الوحي؛ فهذا "ابن عَـقِـيل" الحنبلي يزعم أنه بالرغم من عصمة النص إلا أنه يمكن أن يُنسَـخ بآية أخرى, ولكن هذا لا يسري على الإجماع على حد قوله, فبمجرد أن يكون هناك إجماع لا يمكن أن يُـلـْـغى. هذا النمط من التفكير القائل بأن هناك قضايا قد حدث إجماع بشأنها ولا يمكن أن تـُطرح من جديد للمناقشة قد أقام حواجز في داخل عقلية المسلم, وطالما أنه من المفترض أننا نقرأ النص بطريقتنا نحن فإن المحصلة النهائية لفهمنا للقرآن يبقى هو ما فهمه القدماء منذ قرون مضت طبقًا للسياق الاجتماعي الخاص بهم. ولكونهم بشر فهم بالتأكيد قد أخطئوا, لكن علينا أن نتحمل عبء خطئهم على كاهلنا, فمما أصبح معلومًا أن أي خروج عن التفسير التقليدي للقرآن إن لم يكن مؤيدًا بقول من أقوال جهابذة الماضي فإنه يقع ضمن التفسير بالرأي ومن ثمَّ لن يكون مقبولاً.

هل يمكننا أن نستجمع من الشجاعة ما يكفي لإعادة فتح كتاب الله I؟ إننا نعيش في مجتمع يعتقد بأن الجدل الديني قد انتهى وأغلق للأبد. إن بيننا أناس يعتقدون بإخلاص أن العقل البشري لم يعد قادرًا على استنباط الهداية من النص وأن فقهاء الماضي العظام قد حسموا القضايا جملة واحدة للأبد, بل إن بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك, ذهب إلى الاعتقاد بأن أي آية في القرآن لم يتناولها بالرأي جهابذة التفسير في الماضي فهي إما أن تكون متشابهة أو منسوخة كما يريد منا الفقيه الحنفي "الكرخي" أن نعتقد! لذلك فهناك فكرة خاطئة شاعت بين المسلمين تقول بأن ظهور المذاهب الفقهية الأربعة بين أهل السنة هو أمر إلهي؛ ومن ثم فلن يحدث لنا أن نتصور حياة إسلامية بدونهم. وبين جهابذة الماضي يراودنا إحساس غالب بأن فقههم كان استجابة للأوساط العباسية. وبالرغم من أن ذهننا تجاه مدونات الفقه يُعتبر صفحة بيضاء مقارنة بكتاب الله الذي يمكن أن يوصل لنا الكثير, فإننا مع ذلك نخشى من البداية الجديدة. إننا في الحقيقة نخشى من نجاح ثورة فكرية كبيرة لقراءة النص قراءة جديدة.

مرة أخرى نقول إن فتح كتاب الله سيكون حدث العصر, لأنه سيغير مجرى تاريخ الإنسانية. ولا شك أن فتح كتاب الله في غيبة الرسول له مخاطره, لكن هذا ما يريده الله I منا أن نفعله لأنه سبحانه لن يرسل رسولاً آخر. إن الكتاب وحده كافٍ في غيبة الرسول, لكن هناك أسئلة جوهرية يتعين التعامل معها عند إعادة فتح الكتاب, حيث من ستكون له السلطة الأوحد لتأويل كلام الله I: أهم صفوة المتدينين, أم العلماء, أم أعضاء مجامع الفقه, أم الهيئات العليا للعلماء التي تحظى برعاية الدولة أم وزراء الأوقاف الإسلامية؟ ومن سيكون المتحدث الشرعي باسم الله I في الأرض؟ هل يمكن أن يُدْرَس القرآن في ضوئه هو وفي بيئة معاصرة أو أنه يُدْرَس فحسب في إطار نموذج فقهي معين؟ هذه الأسئلة تستحق الدرس بوجدان قبل أن نقوم بعملية إعادة فتح كتاب الله.

مضى أحد عشر قرنًا منذ أن ظهر على السطح مصطلح "مذهب" بهذا المعنى, تحديدًا منذ نهاية القرن الأول الهجري. إن مادة المصطلح مأخوذة من الفعل "ذهب, يذهب" والتي تتضمن معنى أن عالمًا من العلماء الذين لهم باع في العلم قد سلك هذا الطريق في رأيه, وكان الاصطلاح "مذهب" – والذي فرقنا اليوم شيعًا – يعبر عن المنهج العلمي المتبع فحسب, وقد كان كذلك. لكن لم يجُل بخاطرهم أنه في يوم من الأيام ستؤدي هذه الأداة الأكاديمية في التحليل إلى مثل هذا الانقسام الحاد بين جماعة المسلمين وأن الأجيال القادمة من المسلمين ستشعر بأنها مضطرة أن تتخذ لنفسها هوية من الهويات الفقهية. هل هناك كبت فقهي أكثر من أن يُضطر من لهم عقل سليم وقلب حساس أن يعرضوا فهمهم للنص مع فهم واحد من فقهاء الماضي وأن يلتجأ إلى واحد من المعسكرات الفقهية رغم حقيقة أن هذه الانقسامات الفقهية ما هي إلا نتاج تاريخي وليست أمرًا من عند الله I بأي حال من الأحوال. كان هناك العديد من المذاهب الفقهية وأصحابها ممن طوتهم صفحة التاريخ, أما المذاهب الأربعة أو الخمسة التي استمرت لاحتضان الدولة لهم فقد كانوا على خلاف اصطلاحي بين بعضهم بعضًا؛ فلم يتقرر حتى الآن من هم "أهل الهوى" ومن يستحقون لقب "أهل الحديث" أو من هم "أهل العدل" أو من يحق لهم أن يَدَّعوا أنهم "أهل السنة والجماعة".

من الزعم القول بأنه لا يُـتـَصور حياة للمسلمين بدون كبار الفقهاء, وما أظن أن هناك سفسطة تحت الشمس أشنع من ذلك, فهذه المغالطة قد جمدت عقول المسلمين لقرون. هل هم يقصدون تفاصيل الصلوات المفروضة أو من تجب عليه الزكاة أو المواقيت التي يبدأ الحاج منها رحلته والتي بينها الفقهاء تبيينـًا حقيقيًّا؟ الإجابة لا شيء من ذلك, فالحقيقة أن المرء في الحياة العملية لا يسير وراء فقيهه في كل التفاصيل شبرًا بشبر. لقد وجدت أن أحد الأحناف قد وصل بسنن الصلاة إلى أربعين سُـنـَّـة كما ورد في المذهب الحنفي, وأن حنبليًّا وصل بها إلى حوالي ثمانية وستين سُـنـَّـة كما فعل فقهاء الحنابلة. إن كتب الفقه ما هي إلا مسارد للاختلافات في كل أمر من الأمور, بل لا يوجد فيها ما يمكن أن يدعيه الفقهاء أنه إجماع, لكن الاعتقاد الخاطئ بأن الفقه يُسَـيِّر أمورنا الدينية هو ما جعلنا نعتمد اعتمادًا كليًّا على بشر مثـلنا؛ فعندما يقترح علينا فقيه أو مفتٍ بأن نريق أربعين دلوًا من ماء لنطهر به بئرًا ألقيت فيها جيفة كلب نتنة أو عندما يخبرنا فقيه حنفي أن نغسل أحد طرفي الثوب الجاف الذي كان قد تبلل بالبول ثم جف ولا يُـعْـلم أي الطرفين قد ابتل بالبول, فإن الفقيه أو المفتي في هذه الحالة لا ينطق بالوحي الإلهي, فهو إما أن ينطلق من أقوال شيوخ مذهبه المدونة في كتبهم وإما أن يُـعْـمِـل عقله وهو أمر نادر الحدوث. إن عقله هو نفس العقل الذي وهبنا الله I إياه, فلا مجال إذن أن نعتمد على عقول بشرية أخرى مثـلنا بدلاً من إعمال عقولنا؛ فلو أن المذهب الشافعي يمدنا بقائمة طويلة والحنفي يمدنا بقائمة قصيرة نسبيًّا عن نوعية اللحم الذي يحل للمرء أكله, فإن هذا يرجع إلى تفضيل شخصي متأثر بحقائق المكان المؤقتة ولا أصل إلهي لها بحال, فإن القرآن قد بَيَّـن الحلال والحرام, وأما ما سوى ذلك من أمور من مثل كيف تـَذبُّ زنبورًا وقف على أنفك أو كيف تتعامل مع ذبابة ضئيلة لكن مزعجة فـمَرَدُّ ذلك إلى أنفسنا نتخير من المنهج ما يناسب ظروفنا.

إن إعادة فتح الكتاب الكريم فتحًا فعالاً لا يتطلب أقل من إنهاء موقف ما يشبه الموقف الكنسي في مجتمع المسلمين, فإن هذه الكنيسة غير المرئية – رغم مرور ما يقرب من أحد عشر عامًا – لم تفصح عن نفسها في أية مؤسسة قائمة بالفعل, إنها وراء كل مصطلح ديني يريد أن يقف في وجه هذا التحدي. إنها لا تتطلب أقل من "كاريزما" أو جاذبية الوحي الإلهي لتضع حدًّا لهذه المؤسسة المحسوسة بغموض والمنظمة بخفاء. إن أقصى ما يمكن أن نفعله هو أن نترك كلام الله  يفصح عن نفسه, ويجب علينا أن نقنع كل عقل مفكر بيننا أن منهج فهم القرآن الذي طبقه القدماء كان مناسبًا لزمانهم, فقد كانت هذه هي طريقتهم في التأكد من أن العدل وفحوى القرآن قد وصلا للناس. وفي موقف مغاير, نطبق – وعن غفلة منا – نفس المنهج لكن ليس بغرض الوصول إلى نفس المستوى من العدل بل بما يمكن أن يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية. إن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب t حينما عطل حدًّا قرآنيًّا بقطع يد السارق كان يدرك أنه يطبق الإجراء الصحيح لتأكيد العدل وقت المجاعة. وبالمثل عندما نادى بعدم زواج المسلمين من نساء "أهل الكتاب" أو عندما نادى الفقهاء المتأخرون بعدم زواج المسلمين من نساء "أهل الكتاب" رغم موافقة القرآن الصريحة على ذلك فإنهم كانوا يؤكدون بطريقتهم على التجانس الاجتماعي الذي يسود فيه العدل والسلام. ويتحدث مؤرخونا عن الأحكام العُمَرية التي فرضها على "أهل الذمة"  (غير المسلمين) حتى يلبسوا ثياب "الغيار", وهو كالمعطف الطويل, حتى يُعْرفوا من غيرهم, ولم يُسمح لهم بركوب الخيل أو شراء العقارات أو بناء الكنائس في بلاد المسلمين. وهذه الأحكام وإن كانت تناسب السياق الذي عاشوا فيه إلا أنها قد لا تُحْدث نفس التجانس الاجتماعي في عالمنا الذي تغير تغيرًا جذريًّا حيث تسود فيه قاعدة التعامل بالمثل على مستوى العلاقات الدبلوماسية.

ولنأخذ أمثلة أخرى على ذلك؛ بناءً على ما تشير إليه الآية:

(وان خفتم الا تقسطوا فى اليتمى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلث و ربع...)

[النساء : 3]

فعندما يفضل الفقهاء تعميم هذا السياق المخصص للزواج بحد أقصى من أربع نسوة فمن المحتمل أنهم كانوا يفكرون في الوقت نفسه في مسألة أن إعطاء الفرصة الشرعية لأرامل الحرب يدور في فلك تحقيق العدالة الاجتماعية, لكن ربما لا يستمر هذا الموقف أبد الدهر, فإننا نصطدم في القرآن بآيات مثل:

(... ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما ءاتكم فاستبقوا الخيرات...) [المائدة : 5]

إن مثل هذه الآيات وغيرها توضح أن الخلاص لا يتأتى من خلال أمة واحدة كما نجد في الآية: (ان الذين امنوا والذين هادوا والنصرى والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [البقرة 62].

إن المفسرين والفقهاء جعلونا نعتقد أن مثل هذه الآيات وأشباهها منسوخة. إنه من اللغو المحض أن نعتقد أن أية آية في القرآن لم تعد تهدي الناس وترشدهم أو أن تطبيق أية ما ستجلب سخط الله  أو ستبلغ مبلغ الخطيئة. إن العيش في عالم يتضاءل تضاؤلاً متناهيًا وتتبخر فيه الحدود بين "دار الإسلام" و"دار الكفر" حتى أصبح من العسير على أية جماعة أن تعيش بمعزل عن الناس, فإن تكوين جبهة واحدة من الأمم المؤمنة انطلاقًا من المبدأ القرآني "كلمة سواء" قد أصبح أكثر إلحاحًا من ذي قبل. إن غض الطرف عن إقرار القرآن للعمل المشترك والإصرار بغير وعي على التأويل التقليدي للآية: "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" أن المقصود هم اليهود النصارى على التوالي, فإن ذلك لن يحرز تقدمًا. باختصار, إن إعادة فتح الكتاب الكريم سيعني أننا من النضج بحيث نستطيع قراءة النص بأنفسنا وأننا نريد أن نأخذ اتجاهًا مخالفًا عن اتجاه السابقين لو نشأت الحاجة لذلك. لكن طالما أننا لا نريد أن نمتص هذه الصدمة النفسية فإن كل دعاوانا لإعادة فتح الكتاب الكريم لن تفعل شيئًا إلا أن تضع ختمًا فوق ختمه.

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك   
 

 
 

 

 

تنزيل مجانية

 
 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة