Home

 

المسلمون في جميع أنحاء العالم يتساءلون في يأس متى يأتي نصر الله؟

بالرغم من تراجع المجتمع الإسلامي عن المكانة السيادية التي كان يتبوؤها، فإنه مازال يعتبر نفسه أفضل المجتمعات على الإطلاق؛ فمازال أفراد المجتمع الإسلامي يتصرفون بطريقة تنم عن رضاهم عن أنفسهم فيما يتعلق بإدارة شئونهم وهم منغمسون في أحلام اليقظة. وعلى المستوى الوجداني، مازال المجتمع يجد صعوبة في تقبل حقيقة أنه لم يعد المجتمع الذي وعده الله بالنصرمن خلال ملائكة السماء في أوقات المحن. فالأناشيد العذبة التي تمجد سيرة نبينا محمد r والأعداد الهائلة لحشود المحتفلين بالمولد النبوي من كل عام وجموع المصلين لإداء صلاة الجماعة قد تعيد الاطمئنان إلى قلوبنا بأننا حقا الأتباع المخلصين للدين الحنيف ولكن تبقى الحقيقة واضحة أمامنا  بأننا لم  نعد الأمة التي وصفها القرآن بأنها خير أمة أخرجت للناس. وقد أخذت الكارثة أبعادًا خطيرة. 

لقد مرت قرون طويلة منذ أن كنا نتبوء المكانة السيادية، وكنا نتصف بأننا خير أمة أخرجت للناس. وبوصفنا أتباع النبي الخاتم فقد أنعم الله علينا بوعده لنا بقيادة العالم حتى يوم القيامة، وتبوءنا هذه المكانة السيادية من خلال كلام الوحي المنزل على النبي محمد من السماء. وحينما كان الوحي الإلهي هو النور الذي أضاء الطريق أمامنا استطعنا إحكام قبضتنا على مجريات التاريخ. فقد كانت مجريات الأحداث في العالم تسير طبقا لتوجهنا وأحيانا، وفي اللحظات الصعبة، عندما كنا نشعر بأن قبضتنا بدأت تتراخي نجد أن أنظارنا تبدأ تلقائيًا تتطلع إلى السماء، نسأل الله أن ينصرنا واثقين من أن نصر الله قادم في الوقت المناسب، ففي غزوة بدر كان النبي يقود بنفسه عدد قليل من المجاهدين ضد  جحافل الأعداء وقد سأل الله أن ينصره.

وأثناء الغزوات التالية من التاريخ الإسلامي سواءٌ تلك التي أسفرت عن هزيمة ملوك الفرس أو الروم أو بعد ذلك حادثة حرق السفن على الساحل الأندلسي كان المسلمون دائمًا يشعرون بوجود الله الحي القيوم الذي يقف ورائهم يشد من عضدهم. وقد كان هذا الشعور هو الباعث الذي طالما يحركهم لاقتحام أصعب المخاطر في سبيل نصرة الدين. وعندما وقع هرمزان – قائد الفرس الشهير – في الأسر ومَثُل أمام الخليفة عمر بن الخطاب اعترف بهذه الحقيقة قائلا: "يا عمر، كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن الله معنا ولا معكم! فلما كان الله معكم غلبتمونا؟" لاشك أننا ننتمي إلى نفس الأمة التي هزمت أعظم الجيوش بفضل قوة إيماننا بنصر الله لنا. ولكن ما الذي حدث بعد كل ذلك، فقد أصبحنا الآن – ومنذ عدة قرون – بعيدين عن نعمة الله هذه.  وهناك عدد ليس بالقليل من أبناء هذه الأمة – حتى في هذه الأيام – على استعداد لمواجهة الموت في سبيل الله. وقد تشكلت في أماكن متفرقة من العالم جماعات عدة منها: حزب الله و جند الله و الجهاد الإسلامي والجماعة الإسلامية و مجاهدين الإسلام  وسيباه صحابة وغيرها من الجماعات الإسلامية. و أتباع مثل هذه الجماعات مستعدين للتضحية بأرواحهم في سبيل نصرة الإسلام. فلا تخلو أية بقعة من بقاع الأرض من أتباع النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذين كتبوا تاريخ الإسلام العظيم بدمائهم الزكية.

ومع ذلك، يبدو أنه قد قدر لنا أن نتجرع مرارة الهزيمة في جميع صراعتنا الصغرى والكبرى وكذلك في تحديات العالم المعاصر. فالله تعالى، القادر على تغيير مجريات الأمور في لمح البصر، لم يأتي لخلاص المسلمين. لذلك نجد مظاهر الحزن واضحة في المجتمع الإسلامي بشكل أكثر من أي مجتمع أخر حيث يستطيع المرء ان يسمع صرخات يائسة تتردد في جميع جنبات المجتمع المسلم. وذلك مرده أن المجتمع الإسلامي كان ولا زال يعاني من أهوال القتل والإبادة منذ قرون طويلة وحتى الآن فكل لحظة تحمل عذابات جديدة وكل يوم يشكل تحديًا جديدا عليه مواجهته. فلمن يلجأ الناس في لحظات الأزمات الحالكة هذه؟ أصبحت المساجد الآن مكتظة بحشود المصلين أكثر من ذي قبل. فقد نجحت حركات الإصلاح و الإحياء في خلق مناخ مثالي مناسب لإقامة الصلاة و الصوم وقيام الليل والاتبهالات و التأمل والتدبر وغيرها من أشكال العبادات الأخرى. وهناك عدد وافر من المسلمين الذين يؤدون النوافل ويقرأون آيات الذكر الحكيم. وبالرغم من ذلك وبالرغم من الاضطراب الواضح الذي أصاب المسلمين وقلة حيلتهم فما هو السبب وراء حرمان المسلمين من عناية الله العلي العظيم؟

ويثير مثل هذا التساؤل اهتمام كلاً من الخاصة والعامة من بيننا؛ بل يبدو أنه قد حير أفضل العقول المثقفة من بيننا أيضًا. فمنذ أكثر من عامين، وأثناء هجوم الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان نتيجة لرفض الشعب الأفغاني الوصول لتسوية على حساب احترامه لذاته، كان عليهم مجابهة وحشية الجيش الأمريكي؛ حيث أمطرت المقاتلات النفاثة "بي-52" الشعب بوابل من القذائف التي حصدت الأرواح. فلم يكن هناك أي مسلم في أية بقعة على وجه الأرض إلا وقد دعا الله باكيًا في صلاته خلال تلك الاسابيع. وكان العالم الإسلامي أجمع – من شرقه إلى غربه بما في ذلك الشيعة والسنة – قد رفع أكف الضراعة إلى الله قائلاً " اللهم خلص هذه الجماعة التي لا حول لها ولا قوة."

كانت الابتهالات في الصلاة تتردد في جنبات المساجد بشكل كبير لدرجة أن المسلمين الذين لم يكونوا من رواد المساجد من قبل اعتادوا ارتياد المساجد منذ ذلك الحين متوجهين بالدعاء إلى الله سائلين منه العون مع إخوانهم من المصلين. وقد أظهر الأفغان شجاعة نادرة، فالموت الذي كان يهبط عليهم من السماء لم يستطع أن يوهن من عزيمتهم. في هذه اللحظة  كان العالم كله يقف في انتظار حدوث معجزة. ومضت الأيام والأسابيع ولم تلوح في الأفق أية بادرة للمعجزة المنتظرة. على النقيض من ذلك، فقد أخذت معالم هزيمة الشعب الأفغاني تتضح يوما بعد يوم. وقد أدى ما حدث للشعب الأفغاني إلى زعزعة ثقة الأمة الإسلامية كافة؛ فالله تعالى لم يمد إليهم يد العون. وخيم اليأس بظلاله على الأمة بأسرها. وقد كان ذلك هو الحدث الثاني في التاريخ الإسلامي – بعد الاستيلاء على بغداد في عام 1258 – والذي أصاب وجدان المسلمين بكارثة. وبدا أن هذه الأمة لن تشهد بزوغ أي فجر جديد.

ودائما ما نعلن كمجتمع إسلامي – وفي أحلك لحظات الأزمات – إن النصر سيكون حليفنا وأن الله سوف يرزقنا بنصر من عنده وفتح قريب.  وقد بذلنا أقصى ما في وسعنا لمواجه العدو ومحاولة تغير قدرنا المحتوم. ومع ذلك فمازلنا بعيدين عن نصر الله. ومنذ عدة شهور مضت عندما هبت عاصفة رملية على الدبابات الأمريكية أثناء مسيرتها نحو العراق غمرت البهجة أرجاء المجتمع الإسلامي؛ حيث تراءى لهم أن نصر الله قد وصل أخيراً. ولكن سرعان ما تبدد هذا الشعور بالرضا. فسقوط بغداد مرة ثانية قد أكد حقيقة أن الله لم يعد يؤيدنا بنصره، ومادام المجتمع لم يعد يتمتع برضا الله وتأييده فلن يستطيع أحد أن ينقذنا من هذه الهزيمة وهذا الخزي. ومنذ قرون مضت وحتى الآن ونحن نواجهه الهزائم كل يوم؛ ويبدو كما لو كان شيء ينكسر بداخلنا كل لحظة. ونحن لا نملك سوى أن نناضل جميعنا؛ وحتى بعد ذلك نتسائل متى يأتي النصر من عند الله؟   

لم يعبأ  المفسرين والفقهاء، على ما يبدو، في عالمنا اليوم بتحليل هذا الموقف للوصول إلى إجابات مقبولة. بل على العكس، ركزوا مزيدًا من اهتمامهم على محاولاتهم لطمأنتنا من خلال تفسيراتهم المغلوطة لآيات القرآن الكريم. ومن وجهة نظرهم، فكل هذه الابتلاءات تهدف في واقع الأمر إلى اختبار قوة إيماننا؛ حيث يفهمون الآية القرآنية:

(ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم الباساء والضراء وزلزلوحتى يقول الرسول والذينءامنوا معه متى نصرالله الاان نصرالله قريب.) [البقرة 214]

على أنها تشير إلى أن الدنيا بالنسبة لهم ما هي إلا دار ابتلاء للمسلمين حيث يجب عليهم أن يستعدوا لما سيصيبهم من محن وابتلاءات.

فالحياة الدنيا بالنسبة للمشركين ما هي إلا دار لعب ولهو؛ ولأن المسلمين قد وُعدو بحياة كريمة في الآخرة ، لذلك عليهم أن يصبروا و يثابروا في مواجهة مثل هذه الابتلاءات في الحياة الدنيا. ولعدم وجود مفر من الخروج من مثل هذا الموقف المخزي قامت بعض الجماعات برفع شعار الزهد في الحياة الدنيا باعتباره الاتجاه الديني الذي يجب أن يسلكه جميع المسلمين. ولكن تكمن المشكلة في أن الزهد لم يعد ممكنا في ظل العالم الذي نعيشه اليوم. فعندما يتعرض وجودنا للفناء البطيء، كم فرد منا يستطيع أن يطرح التفكير في هذا الموضوع جانبًا غير مبال بالكارثة الوشيكة، وإلى متى يستطيع ذلك؟

مثل هذه الحياة المخزية والأسى الذي تسببه الإخفاقات المتلاحقة لا يتفقان مع تاريخنا الماضي، حيث كان المسلمون الأوائل مضرب الأمثال في التقوى و العظمة. ونحن بحاجة إلى أن نقتدي بهم في حياتنا العملية. ومن يكون أفضل إسلاماً من النبي r وصحابته؟ لا ريب في أنهم قد واجهوا تحديات عظيمة ولكنهم لم يضطروا إلى أن يحيوا حياة الخزي أو يعانوا من ألام الهزائم المتلاحقة. و إذا ما تصفحنا تاريخنا سوف نجد أن الله عز وجل قد وعد المؤمنين بالزعامة و السيادة في الحياة الدنيا، ناهيك عما أعده الله لهم في الحياة الآخرة. وكل صفحة من صفحات المصحف الشريف تشهد على هذه الحقيقة، فقد أنعم الله على المؤمنين بقيادة العالم، علاوة على أنه يحمل لهم البشرى بالثواب في الدار الآخرة.  والروايات والقصص المنقولة عن ملك سيدنا داود وسيدنا سليمان التي تتناول المكانة المميزة التي احتلها بني اسرائيل بين جميع الأقوام في العالم  تلقي الضوء على حقيقة مفادها إننا بانحيازنا إلى جانب الله نستطيع أن نحقق نصرا على العالم كله. لقد حدث ذلك في الماضي وأخبرنا به القرآن.

إذن ما هو السبب الذي من أجله لم تتحقق البشرى التي وعدنا بها الله في قوله:

 (الا ان نصرالله قريب)

على مدى قرون عديدة وفي جميع الأزمات التي مرت بها الأمة. وبما أننا محرمون من عون الله  لا تؤدي بنا  جميع الجهود التي نبذلها إلا إلى استخلاص دروس تفيدنا في المستقبل .

وأحداث العالم المعاصر أثبتت أننا لم نعد الأمة التي يمكنها أن تتأكد من نصر الله لها وتنظر إليه باعتباره حليفها ومساندها. وخلال عصور الاضمحلال المستمر قام شاعر ينتمي إلينا بنظم آلف قصيدة شكوى قام فيها بمناجاة الله شاكيًا من حجب نعمه. ولاشك في أن هذه الشكوى الشعرية تحمل في طياتها الحقيقة الظاهرة لحياتنا اليومية

"لقد أغدقت نعمك على ديار الكافرين والدخلاء

ولم ينزل غضبك كالبرق إلا على المسلمين المساكين"

ومع ذلك، ومن أجل معالجة مثل هذا الموقف، بحث الشاعر عن إجابات كانت تقليدية كغيرها من الإجابات التي قدمها علمائنا وأسلافنا ولكن في أشكال مختلفة. من الذي يستطيع أن ينكر أن هذه المواقف ما هي إلا صحوة جديدة والتماس فضل من الله وتوجه إليه تعالى؟

مع ذلك، وبالرغم من وجود مثل هذه الإجابات الواضحة يرجع فشل مجتمعنا في الفوز بنصر الله أساسًا إلى حقيقة أننا نفسر "التوجه إلى الله" باعتباره حفاظ على أداء بعض الشعائر بطريقة آلية. وهذا هو سبب الذي جعل جميع جهودنا في التوجه إلى الله لا تجعلنا نستحق نصرته. و يظل الوعد القرآني بالنصر بعيدا عنا كل البعد. وهنا يطرح السؤال نفسه في عقول أصحاب النفوس التي لا تهدأ عن حقيقة وجود الله من عدمه. أين هو الله الذي طالما وعد المؤمنين بنصره؟

طالما أن مجريات الأمور قد أوضحت لنا أن الله قد تخلى عنا، يصبح لزامًا علينا ونحن نحيا بقوة الآمل في عون الله أن نبحث عن إجابة لسؤالين على جانب كبير من الأهمية: أولاً ما هو السبب وراء حدوث ذلك، ثانيًا ماذا ينبغي علينا أن نفعل لنستحق نصرة الله من جديد. بمعنى أخر، يجب علينا كوحدة مجتمعية أن نقوم بإعادة تقييم وجودنا الجمعي. وبما أننا لسنا مستعدين لاستكشاف حاضرنا  فلن يمكننا إيجاد أية حلول للمستقبل.

أولا، يجب علينا أن نستوعب وبشكل واضح أنه بالرغم من شدة رغبتنا في خلق علاقة بيننا وبين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تظل هناك حقيقة مؤكدة هي أن تلك العلاقة شديدة الوهن على المستوى الفكري والعملي. فالإسلام الذي كان يدعو النبي إليه ويطبقه يختلف عن الإسلام الذي نشهده اليوم. فقد كانت حياته مضيئة بنور القرآن الكريم. فعند بناء حياتنا الدينية بدأنا نعتمد على كتب كثيرة قمنا بتأليفها بأنفسنا، بدلاً من الاعتماد على القرآن الكريم.وقد أسلم صحابة النبي أنفسهم لله بشكل مطلق فذاقوا حلاوة الإيمان؛ ولكننا وقعنا في شرك أداء شعائر جامدة. فهم حقا عباد الله الأخيار الذين منحهم الله بالسيطرة الكاملة على مجرى التاريخ. ونحن لا نملك اليوم سوى بعض الأوهام عن كوننا أفضل مجتمع مرددين الاعتقادات الخاطئة عن أفضليتنا عن غيرنا من الشعوب الأخرى وأصبحنا نعيش أسرى أمجاد الماضي. وموقفنا الآن لا يختلف كثيراً عن موقف بني إسرائيل الذين مازالوا – رغم حرمانهم من مكانتهم المميزة – يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار. وبالنسبة لهم فإن كلمة التقوى تعني مجرد التمسك بالشعائر الدينية. ولأن الشعائر الجامدة لا يمكن أن تنتج شعورًا حقيقيًا بالتقوى، فهذا هو السبب الذي جعل عودتنا المزعومة للدين لا تنتج الثمار المرجوة. وما أكثر المسلمين شديدي الالتزام والتمسك بكل تعاليم الإسلام!. وبعد انتهاء النزعة الاستعمارية، عادت المساجد تزدحم بالمصلين مرة أخرى، ويزداد عدد معاهد التعليم الديني يوميًا، والعودة إلى جذور الدين أصبحت سمة جلية بين الشباب المسلم في كل أنحاء العالم. على الرغم من ذلك، فإن كل هذه المظاهر الخارجية التي تدل على الرجوع إلى الدين لم تجعل منا أناس يستحقون نصر الله. وإذا كنا لا نستحق نصر الله، فإن هذا يطرح سؤالاً ألا وهو هل يريد الله حقًا هذا النوع من العبادة الذي نراه نحن تعبيرًا حقيقيًا عن تقوانا؟

لتقدير حالتنا المتدنية من الألم والمعاناة تقديرًا أفضل، وذلك مع عدم وجود نصر من الله، فسوف يكون من المفيد أن نذكّر أنفسنا ببني إسرائيل. وهذا ملائم هنا أيضًا، وذلك نظرًا لأن القرآن يحذرنا من خلال إشاراته المتكررة لبني إسرائيل من التقيد بشعائر جامدة لا روح فيها. لقد اشتهر بنو إسرائيل، الذين ننظر إليهم على أنهم شعب معلون وحقير، بالمبالغة في إظهار تدينهم، واعتبروا أنه من الضروري استشارة الحاخامات ورجال الدين بشأن أدق التفاصيل عن أية موضوع. ولنأخذ على سبيل المثال تفاصيل يوم كيبور أو يوم السبت أو الطريقة الصحيحة لذبح الحيوانات (قتل الكوشير)، وبالنظر إلى الطريقة شديدة التأنق التي يتبعها بنو إسرائيل المتدينين للالتزام بأدق تفاصيل شعائر التلمود، يبدو لأي فرد أنه نادرًا ما يوجد شعب آخر في العالم قد تمسك بالدين على هذا النحو المثالي. فما زال بنو إسرائيل يعتقدون أنهم شعب الله المختار وأن لهم الأفضلية على كل شعوب العالم الأخرى في الفوز بحظوة الله، ويعزون ذلك إلى تمسكهم بالتوراة، والتي بسببها احتلوا هذه المكانة المتميزة. وهذا هو السبب الذي جعلهم يؤمنون بأن نصر الله لهم على الدوام شيء مسلم به. وعندما أصبح اليهود في عهد النازية الألمانية هدفًا للكره العام، ووجد شعب الله المختار – كما أطلقوا على أنفسهم – أن الأرض قد أصبحت جحيمًا بالنسبة لهم، تعجب العلماء والمفكرون منهم؛ كيف يمكن أن يرى الله شعبه المختار يواجه هذه الإبادة البطيئة؟ وقال البعض أن التوراة تحتوي على طاقات هائلة كامنة وغير ظاهرة، فيمكن أن يتغير حال هذا الشعب إذا رتلت ترانيم معينة مرات ومرات. ولجأ البعض إلى مخطوطات الشعوذة والتنجيم، بينما أعاد البعض تشكيل علاقاتهم مع مؤلفات الربانيين وأخذ البعض الآخر بزمام المبادرة في تنظيم الترتيل والتأمل الجماعي. ولما ازداد الأمر سوءًا في ألمانيا والأماكن الأخرى بالنسبة لليهود، فقد ازداد رجوعهم إلى الدين وتمسكهم به، لدرجة أنه وجد البعض في معسكرات الاعتقال والموت منهمكين في ترتيل الترانيم الدينية أو التمتمة بالتعويذات في همس. وكان تدينهم الشديد جليًا في الحقيقة المتمثلة في أنه على الرغم من عدم توافر أدنى حد ممكن من الطعام الذي يسد رمقهم أو الملابس التي تستر عوراتهم في هذه المعسكرات، كانوا يشعرون بحاجة شديدة إلى كتب الصلوات (السيدور) التي التزموا بها سواءٌ بشكل فردي أو جماعي، والتي كانوا يحصلون عليها بعد دفع الرشاوى لمسؤولي السجن. وأثناء عمليات التفتيش، كان تصادر هذه الكتب وتُلقى في النيران أمامهم، وكان المتدينون من بني إسرائيل يصرخون ويتشائلون عما إذا كان هذا العالم سوف يفنى في غياب هذه الكتب الدينية. واعتقد بعض النساك اليهود أنه إذا قُرأت أجزاءٌ معينةٌ من التوراة بشكل متكرر مع استيعابها ثم طُلب من الله العون، فإن العون سوف يأتي قطعًا. ويقال أنه في أحد معسكرات الاعتقالات، لجأ أحد هؤلاء النساك إلى حفرة كان يتم إلقاء الموتى فيها، وظل هذا الناسك منهمكًا في الصلاة والتأمل، وبدأ الناس يطلقون على هذه الحفرة اسم "بيت ميدراش"، إلا أن الله لم يأتي لنجدته على الرغم من كل هذه التقوى والتوبة الصارمة.

هل يوجد دليل آخر على تدين بني إسرائيل أكبر من ثباتهم على ممارسة شعائرهم الدينية حتى في أصعب الأوقات. وإذا ما نجحوا بطريقة ما في العثور على ملابس دينية (مثل التفلون أو التيليت) فإن ذلك كفيل بأن يشعرهم بالفرح والنشوة الشديدة في حياة مظلمة لا تعرف سوى الحزن. وكانوا يرتدون التفلون ويؤدون الصلوات واحدًا بعد الآخر. وكان كثيرًا ما يحدث أنه حتى أثناء الانتقال من معسكر إلى آخر فإنهم يحافظون على دروس التلمود، إذا كان بينهم عالم من علماء الفقه التلمودي. وعندما يرتاحون من جولات مسؤولي السجن في معسكرات الاعتقال، كانوا يجتمعون للاستماع إلى التوراة و"المشنا" يرتلها عليهم من يحفظونها عن ظهر قلب. ويقال أنه في معسكر "مادانك" حيث كان يوجد ثلاثة آلاف يهودي، لم يكن هناك أحد يتغيب عن الاشتراك في الصلوات الجماعية اليومية. وفي أحد الأيام رأوا صفحة من التلمود على كومة من القمامة، فشعروا بفرحة غامرة. واعتاد الحاخام "إسحاق زانبا" في هذا المعسكر أن يعقد جلسات منتظمة يبني فيها حديثه على هذه الصفحة المأخوذة من التلمود. وعلى الرغم من مصادرة كتبهم الدينية في المعسكرات، إلا أن ارتباطهم بدينهم كان عميقًا جدًا لدرجة أنهم كانوا يغلفون أغراضهم في صفحات التلمود. ويمكن قياس مدى إيمانهم بأنه على الرغم من أنهم كانوا يتوقون إلى لقيمات من الطعام فإنهم كانوا يقايضون بها مسؤولي السجن أو يعطونهم أسنانهم الذهبية بفرح شديد في مقابل الحصول على نسخة من التوراة أو نسخة من كتاب الصلوات أو نسخة خاصة من كتاب السيدور. وعلى الرغم من هذا التدين العميق، فلم تكن صرخاتهم من أجل الفوز بنصر الله سوى صرخات تذهب أدراج الرياح. ولم يفلح شعب الله المختار على حد زعمهم في جذب انتباه الله عن طريق إظهارهم لتدينهم بكل ما أوتو من قوة.

وقد زعزع ما حدث في معسكرات الاعتقال في أماكن مختلفة من ألمانيا وخاصة في أوشفيتز ثقة شعب بني إسرائيل جميعهم. ويقال إن النازيين قد قضوا على ثلثي اليهود الأوروبيين. ولم يحدث هذا في يوم واحد. وبينما بدأت قصص معسكرات الموت والاعتقال التي تمزق القلب تظهر للجميع وبدأ يهود أوروبا يدركون أن فناءهم جميعًا بات أمرًَا وشيكًا، فلم يملكوا إلا أن يسألوا أنفسهم هذا السؤال "هل يريد الله أن يخلي هذا العالم من شعبه المختار؟ وكيف يعقل أن نواجه الفناء من العالم ونحن أتباع التوراة الملتزمين بالتلمود في سلوكهم الحياتي، وعلى الرغم من ذلك لا نرى أي عون من الله في أي مكان؟". بل إن بعضهم بدأ يشك في وجود الله أساسًا. "هل القصة المجيدة عن بني إسرائيل التي يسمعونها دائمًا ما هي إلا خيال لا أساس له في الواقع؟".

وبالفعل، أصاب واقع أوشفيتز الفكر الديني لبني إسرائيل بكارثة؟ وحتى بعد ذلك، لم يكن هذا الشعب الذي يعيش في ماضيه المقدس على استعداد للقيام بإعادة تقييم حياتهم الدينية. ولم يكن هذا هو التحدي الأول الكبير الذي واجهوه؛ فبعد ظهور المسيح والتدمير الثاني لمعبد سليمان ومنذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا، كانت حياة هذا الشعب رحلة من المعاناة والإهانة المستمرة. وأينما ذهبوا، كانوا يتعرضون للإهانة والذل. وما إن يسكنوا أي مكان، إلا وكان عليهم أن يتركوه نتيجة لعداء أهل هذا المكان المحللين لهم. وكان من الواضح أن الله عندما حرم هذا الشعب من بركاته ونعمه أصبح من الصعب على هذا الشعب أن يجد مكانًا مريحًا في العالم بأسره. وقد كان بينهم عدد ليس بقليل من العلماء والمفكرين والفنانين أو الحكماء. فقد اعتادوا على العمل الجاد، ولم يكونوا أقل ممن حولهم في الإنجازات العقلية والوجدانية. وقد عرفوا جيدًا كيف يكتسبون الثروة وكيف ينفقونها. ولكن عندما يقوم الله بحرمان شخص ما من بركاته ونعمه، فليس بمقدور أعقل البشر أن يفعل شيئًا حيال ذلك. وللأسف، لم يستطع عقلاء بني إسرائيل أن يقرءوا الرسالة الواضحة المكتوبة على الجدران. ونتيجة لزعمهم بأنهم الورثة الحقيقيون لداوود وسليمان، فما زال بنو إسرائيل يخدعون أنفسهم باعتقادهم أنهم شعب الله المختار، ولن تكتمل رحلة التاريخ بدونهم. وفي العصر الحديث وبعد إنشاء دولة إسرائيل عندما شنوا الهجمات المفاجئة على العرب الغافلين عام 1967 وسجلوا نجاحًا غير عادي في معركة الأيام الستة، بدأوا يستشهدون بهذا النصر على أن الله قد عاد مرة أخرى ليساندهم.   

ولكن ما زال علماؤهم الذين يخافون الله يصرخون من أبراجهم العالية ليؤكدوا أن وجود دولة إسرائيل لا يتفق مع ما جاءت به التوراة، ولا يستطيع أحد أن يجد أي إشارة إلى التعاليم الواردة في التوراة بين هذا الشعب. وتستمد دولة إسرائيل وجودها من الخيانة والاحتيال والقمع والبربرية، حيث تنتهك تعاليم التوراة يوميًا نتيجة للمكائد التي تدبرها الحكومة. كيف يمكن أن يساند الله هذه الدولة المناهضة للتوراة؟ إن الشعوب التي تفضل أن تعيش في الماضي ترفض أن تقوم بعمل أية عملية إعادة تقييم حقيقية، حيث توجه كل جهودهم نحو عرض تفسير للموقف بطريقة تنقذهم من عمل شيء كهذا. وإذا نظرنا إلى القضية بعينين مفتوحتين وعقول يقظة فسوف ندرك أن موقف المسلمين الحالي لا يختلف كثيرًا عما ذكرناه أنفًا. ولسوء الحظ، فقد تعودنا على الاعتماد بكثرة على التفسيرات المختلفة. وبدلاً من الإمعان بدقة في إخفاقاتنا على مختلف الجبهات، فقد اخترنا أن نخدع أنفسنا بالحجج التي تناسبنا والتي تساعدنا على أن نغمض أعيننا عن حالنا الذي يُرثى له.

في هذه اللحظة الحرجة من التاريخ، إذا أصررنا بعناد، مثلما فعل اليهود، على تفسيراتنا التي قدمنها حسبما تهوى أنفسنا، عندئذ لن تكون نهايتنا مختلفة عن نهايتهم، لأن أفضليتنا، سواءٌ كنا يهودًا أم مسلمين، إنما تنبع في واقع الأمر من التزامنا بالوحي الإلهي. فعندما كان اليهود يتبعون التلمود بإخلاص ظل تفوقهم على العالم لا ينازعهم فيه أحد، ولكن عندما بنوا سياجًا من التفسيرات الكهنوتية حول التوراة، وعندما بدأ التشريع الذي أنتجه رجال الدين يحكم حياتهم الدينية بدلاً من التوراة، وحازت مجموعات المشناة والجمارا ومجموعات كتب الصلاة وكذلك كتب البركة على المكانة الرئيسية عندهم، عندئذ زاد ضعف علاقتهم بالوحي الإلهي أكثر فأكثر. وأصبح ما تبقى من التوراة سجين الشروح والتفسيرات البشرية مما أدى إلى التناقص التدريجي للإخلاص الديني، بل واختفت التقوى الحقيقية، ولم تبق سوى الطقوس الدينية. وأصبح اليهود متشددين في مراعاة تفاصيل الطقوس، لدرجة أنهم ألّفوا مجلدات فقهية كبيرة حول أبسط أمور الحياة العادية. وقد أثقلت شروح الحاخامات للتوراة كاهل الحياة الدينية لبني إسرائيل، فقد ذهب علمائهم وفقهائم إلى حد أن أعلنوا أنه طالما أن الله قد أوكل التوراة لبني إسرائيل، أصبح لهم الحق المطلق فيه بشأن الأمور المتعلقة بالشرح والتفسير. فقد اعتبر اليهود أن شرح الحاخام أكيفا للتوراة أصدق من شرح موسى له. وهذا الدين الذي أنشأه الفقهاء، يتساوى اليوم مع يهودية الحاخامات دون أية تحفظات؛ وقد يُعرف باسم دين موسى ولكن الحقيقة هي أن علاقته حتى مع ما بقي من التوراة، واهية جدًا. فاليهودية في شكلها الحالي، والتي أسس الفقهاء اليهود معظمها، لا يمكنها أن تنتج نفس التأثير الذي كان لدين موسى؛ فالاختلاف الجوهري بين الدين الفقهي والدين الذي أوحاه الله يكمن في أن الدين الموحى من عند الله موجّه ليملأ قلب الإنسان وعقله بالإخلاص لله جل وعلى، بينما يقع دين الفقهاء في شَرَك الجدال على دقائق الأمور وإظهار الطقوس المظهرية التي لا تخلق إلا إخلاصًا واهمًا. فالوحي الإلهي يضيء التاريخ ويقدم للمستمسكين به مفتاح أسراره؛ بينما يظل الفقهاء والحاخامات، من باب حرصهم الزائد، مستمرون في وضع الزيادات التي لا تنتهي حوله، حتى إن لب الوحي الإلهي يضيع في النهاية مع تراكم هذه التفاصيل. وتدريجيًا يعمل الاعتماد المتزايد على رجال الدين على إبعاد المجتمع عن بهاء الوحي الإلهي، وعندها تكون التفسيرات البشرية للوحي الإلهي والتعقيبات عليه المحرك الرئيسي الدافع للحياة الدينية بشكل كبير. فمصير بني إسرائيل فيه عبرة لنا، حيث يمتلئ القرآن الكريم بقصص حول مصير بني إسرائيل. وإذا اخترنا أن نُبقي أعيننا مفتوحة، عندئذ يمكننا أن نحاول بسهولة ويسر أن نجد إجابة في هذه القصص على سبب حرماننا من المكانة المميزة التي كنا نتبوءها عن حق والسبب الذي جعل الله يحرمنا من أنعمه؟!

والأمر الذي يثير مخاوفنا هو أن الإسلام صار في عصرنا الحالي مجرد مشروع مجتمعي. فالوضع الإسلامي الذي قمنا بتطويره على مدار تاريخنا لا يمثل مجال جذبٍ لاستقطاب شعوب الأمم الأخرى. بل على العكس إنهم ينظرون إلى الإسلام على أنه أيدلوجية معادية وتهديد محتمل على هيمنتهم. هذا هو السبب المنطقي الأساسي الذي يكمن وراء الحرب الأمريكية ضد الإرهاب وهذا هو جوهر القضية التي يطلق عليها المفكرون صراع الحضارات.

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك   
 

 
 

 

 

تنزيل مجانية

 
 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة