|
إمامة المرأة
هل يجوز للمرأة المسلمة أن تؤم صلاة الجمعة لاسيما إذا كان
خلفها عدد كبير من الرجال يأتمون بها بالإضافة إلى النساء؟
هذه هي القضية الفقهية المطروحة الآن على الساحة في العالم
الإسلامي، والتي تحظى بقدر كبير من اهتمام دور الإفتاء
والشخصيات البارزة من خلال الإدلاء بآرائهم، فالشيخ يوسف
القرضاوي أحد أبرز العلماء الذين يحظون بشهرة واسعة في
العالم الإسلامي عارض هذه المسألة بشدة معتبرًا إياها
انحرافًا عن المنهج الإسلامي القويم. وعلى الجانب الآخر،
لم يرفض شيخ الأزهر وعدد من العلماء إمامة المرأة مطلقًا،
لكنهم يرون أنها تجب أن تكون قاصرة على النساء فقط. أما
العلماء التقليديون في المملكة العربية السعودية والهند
فقد ذهبوا إلى القول بأن هذا عملاً آثماً؛ كما أثار
حفيظتهم أن يقوم هؤلاء النساء في الوقت الذي تتعرض فيها
الأمة الإسلامية لحملات شرسة من الخارج، بإثارة هذه الفتن
في الداخل، وتساءلوا ما هي بغيتهن من وراء إثارة هذه
القضايا في هذا المنعطف الخطير؟ إنهم يخشون أن يكون
المستفيد في النهاية من مثل هذه المحاولات هم أعداء
الإسلام، وأن يؤدي ذلك إلى خلق حالة من الفوضى والاضطراب
داخل المجتمع المسلم.
إن ما يعوزنا حقيقةً هو بحث هذه المسألة في هدوء نفسي
وعقلي بعيدًا عن السخط والغضب، وهذا هو ما يقتضيه العقل
وما يحثنا عليه القرآن الكريم، إذ يأمرنا ألا نتجاوز حد
الاعتدال في عداوة أحد.
إذا نظرنا إلى هذه المسألة من الناحية الفقهية، ودرسنا
الشروط التي يجب توافرها في الإمام، يجب أن نضع في
الاعتبار الضوابط التي وضعها الفقهاء في من يحق له إمامة
المسلمين، وهي كما قرر الفقهاء: الأكثر تقوى، والأكثر
رسوخًا وبصيرةً في فهم الدين، ولأقرأ للقرآن. وهنا نجد أن
مسألة النوع لم تشغل بال الفقهاء، ولم يتطرقوا إلى الحديث
عن كون من أوتي هذه الصفات رجلاً أو امرأة؛ وذلك لأن
القرآن الكريم لا يقيم وزناً للعرق أو الجنس؛ كما أن
المنهج القرآني لا ينظر إلى الأنوثة باعتبارها نقيصة أو
سببًا في عدم الأهلية على المستوى الاجتماعي أو الديني،
وهذا هو المنظور القرآني المتعلق بإمامة المرأة. أما كيفية
بحث الفقهاء في هذه المسألة، فلا شك أن التاريخ مفعم
بالمسائل التي اتجه فيها الفقهاء إلى تحريم المباح سدًا
للذرائع، فلو أخذنا على سبيل المثال مسألة دخول النساء إلى
المساجد، نجد أن التاريخ الإسلامي، وعمل الأمة المتوارثين
عبر العصور يشهدان على أن المسجد - وهو أول مؤسسة اجتماعية
في الإسلام - شهد مواظبة ومداومة النساء عليه منذ عهد
النبي
r،
وهذه المداومة مستمرة حتى الآن في الحرم المكي والمسجد
النبوي, رغم أن بعض الحكام والعلماء قد حاولوا في الماضي
منع الطواف المختلط، لكن محاولاتهم هذه قد باءت بالفشل.
وفي هذا الصدد تذكر كتب التاريخ اعتراض محدثٍ جليلٍ مثل
عطاء على هذه المحاولات. وإذا ذهبنا بعيدًا عن الأراضي
المقدسة في الحجاز، حيث سيطرت التأثيرات المحلية على فهم
الفقهاء, نجد أن الفقهاء قد قوضوا دور المرأة الاجتماعي
مخافة أن يؤدي نشاطها الحر، وغدوها ورواحها دون تقيد إلى
المسجد، إلى وقوع المجتمع المسلم المتداعي سلفًا في مزيد
من الفتن والابتلاءات، مع أن ما ينبغي القيام به إذا
انهارت الحالة الأخلاقية للرجل المسلم وأصبحت في حالة يرثى
لها، أن نحاول تقويمها وتهذيبها, لكن الذي حدث كان عكس
ذلك، حيث عوقبت النساء وأُجبرن على الخروج من موقع مركزي
مثل المسجد.
ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل ساد مناخ من الكآبة
واليأس في عصر الانحطاط الرهيب، واعتُبر أنه من أجل العودة
إلى الدين القويم، لابد للنساء المسلمات من ارتداء حجاب
إضافي فوق ما توجبه عليهم أحكام الحجاب القرآنية، ومن هنا
اعتبر العلماء أن كشف الوجه والكفين، وهو ما كان مباحًا في
صدر الإسلام وما تقوم عليه أدلة كثيرة من كتب التاريخ
والحديث، أمرًا غير مباح. ورغم أن مسألة كشف الوجه ما زالت
موضع خلاف بين الفقهاء حتى اليوم، إلا أن الحقيقة التي لا
يمكن إنكارها أن الاتجاه العام في المجتمع بأن ستر الوجه
يعد من باب الأخذ بالحيطة في الدين، قد أدى إلى اعتقاد عدد
كبير من المسلمين اليوم خطأً أن ستر الوجه هو المنهج
القويم للدين، وهنا أيضًا يسود نفس الاتجاه الذي يرى أنه
مع ترك الوجه مكشوفًا حتى بعد ستر جميع البدن، لن يمكن سد
باب الفتنة في المجتمع الذي يقف خلقيًا على حافة الهاوية.
فضلاً عن ذلك، ساد تصور عام في بعض الأوساط أن استماع
الرجال من غير المحارم إلى صوت المرأة حرام، وفي بعض
المجتمعات الإسلامية، ما زال الكشف عن أسماء النساء أو
التعرف عليهن يعد مخالفًا للقيم الإسلامية. إن النساء
المسلمات كن أكثر من عانين من فلسفة الأخذ بالحيطة التي
كان من نتيجة إعمالها لقرون طويلة أن أصبحن دون وجه، ودون
اسم، ودون صوت؛ فاضطررن للتخلي عن أداء دورهن الاجتماعي
والديني. ومن ناحية أخرى، نجد أن أولئك الذين أخذوا على
عاتقهم وضع حد لتدهور المجتمع الإسلامي، قد كرسوا جل جهدهم
في كيفية التحكم في النساء، بينما اختفت عملية إصلاح
الرجال من برامج أعمالهم. إن الذين يرفضون قيادة المرأة
الاجتماعية والسياسية والدينية في هذا العصر لمجرد أن ذلك
سوف يكون أمرًا باعثًا على الفتن داخل المجتمع، نراهم في
الحقيقة يسلكون مسلك القدامى، وهو ماعجّل بانحطاط المجتمع.
إن الإسلام هو الخضوع والاستسلام، وهو مطلوب بنفس الدرجة
من الرجال كما هو مطلوب من النساء, ويجب أن لا يكون لدينا
أدنى تحفظ من التسليم بأن الله ورسوله أعلم بما يكون
باعثًا على الفتنة في المجتمع، وأعلم بما يساعد على توازن
المجتمع الإنساني واستقراره. وإذا كان الله
I
قد أعطى المرأة المسلمة حق المشاركة في حياة المسجد
الاجتماعية والدينية، وإذا كان الرسول
r
قد منحها حق العمل في عهده، فلا يجوز لنا أن نسلبها هذا
الحق في القرون المتعاقبة بناءً على فهمنا القاصر للدين.
إن الدارس البسيط لتاريخ الإسلام يعرف أن مشاركة النساء
على عهد النبي
r
في الحياة الاجتماعية، ومعرفة أسماءهن ووجوههن، ومشاركتهن
في التجارة والحرف، كان أمرًا عاديًا. وفي عهد الخلفاء
الراشدين، كان يطلب منهن المشورة في الأمور السياسية، حتى
إن امرأة ذات أنف أفطس رأت أنه من واجبها أن تنبه صاحب
الرأي وأمير المؤمنين عمر على الخطأ الذي وقع منه أثناء
خطبته. إننا إذا تصورنا هذا المناخ السائد في عصر صدر
الإسلام، فإن إمامة امرأة مسلمة لصلاة الجمعة في القرن
الحادي والعشرين لا تبدو حدثًا مذهلاً. وقد ذكر الدكتور
محمد حميد الله في "خطبات بهاول بور" حادثتين لإمامة
المرأة في عصر صدر الإسلام، وحتى لو لم ترد هذه الحوادث
التاريخية في الكتب، فلن نواجه صعوبة في فهم أن الجوهر
الأساسي للتقوى الذي جعله الإسلام شرطًا للقبول في حضرة
الله
I،
والذي يعد أساس الفضل والرفعة لكل من الرجل والمرأة على حد
سواء، لا يترك مجالاً لأحد أن يفخر بانتمائه إلى عرق، أو
منطقة، أو لون، أو جنس معين. إن القرآن الكريم قد صرح بأنه
لا يمكن أن يضيع أو يُبخس عمل أحد لمجرد أنه ينتمي إلى
طائفة، أو جنس معين، فالآية القرآنية
(يايها الناس انا خلقنكم من ذكر وانثى وجعلتكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عندالله اتقكم ان الله عليم
خبير.)
تعطي ضمانًا لكل شخص بأن عمله الصالح لا يمكن أن يذهب
هباءً منبثًا ولو كان مثقال ذرة، كذلك فإن الآية الكريمة
(ولا تكسب كل نفس الا عليها ولا تزرل وازرة وزر اخرى)
تؤكد أن كل شخص سوف يجازى على عمله، وكذلك الآية
(كل نفس بما كسبت رهينة)
تؤكد أن المرء سوف يحاسب على ما قدمت يداه، وأن كل الهويات
لا قيمة لها، علاوة على أنه حينما يكون التواصي باختيار
صبغة الله للجميع رجالاً ونساءً, فلا يجوز لرجل أن يدعي
أفضليته على امرأة أفضل منه في التقوى والعمل الصالح لمجرد
أنه ذكر. لقد توعد القرآن بالهلاك رجلاً صاحب ملك عظيم مثل
فرعون، ورجلاً بدويًا كان يفتخر بجبروته وقوته مثل
أبي لهب، وعلى الجانب الآخر،بشر قوم سبأ تحت قيادة امرأة
عارفة للحق مثل ملكة سبأ. وبعبارة أخرى، أعلن القرآن أن كل
الاختلافات في الجنس، واللون, والعرق، والوطن التي ورثها
الإنسان بالميلاد هي اختلافات لا قيمة لها، وفصَّل القول
بأن الشيء الوحيد الجدير بثناء الله
I
هو العمل الصالح؛ وبأن مكانة المرء في المجتمع الإسلامي
إنما تتحدد وفقا لذلك، بل لقد ذهب القرآن إلى حد التصريح
بأن الصالحين من الأمم الأخرى يجب معاملتهم باحترام؛ وبأن
أعمالهم الصالحة لن تضيع هباءً منبثًا. إننا أتباع الكتاب
الذي صرحت آياته في أكثر من موضع بأن كل الفوارق غير
الفطرية من اللون، والعرق، والجنس، والمكان, والشمال،
والجنوب, والعرب، والعجم قد تم استئصالها، وأن ما ينفع
المرء يوم الحساب، عندما يفرق الله
I
بين الحق والباطل، هو العمل الصالح، وقبل هذا اليوم، كيف
يجرؤ إنسان مؤمن ورع يخاف الله ويتقيه أن يصف إنسانًا بأنه
من العصاة، أو بأنه من أهل النار، مع أن الله
I
قد حفظ الحكم في هذه الأمور العظيمة لذلك اليوم، فقال (ان
الله يفصل بينهم يوم القيمة).
لقد قطعت المرأة شوطا كبيرًا بدايةً من مرحلة قهرها(باىذنب
قتلت) إلى مرحلة القيادة الدينية والسياسية. إن حركة تكريم
الإنسانية التي ظهرت على يد محمد
r
كان لها آثارًا بعيدة المدى في شتى أنحاء العالم، فالأمة
الإسلامية ليست هي الأمة الوحيدة التي استفادت من فيض هذه
الحركة النبوية، بل لقد نال منها نصيبًا وافرًا أيضًا أناس
آخرون مستضعفون في المجتمع من أصحاب الديانات الأخرى،
فتنفست الصعداء تلك الأسر التي رزحت تحت وطأة المعاملات
الربوية جيــلا بعد جيل، ورويدًا رويدًا، اختفت مؤسسة الرق
من على وجه الأرض, كما اندثرت عادة الجاهلية المتعلقة
باستعباد الرجل للمرأة. إن رسالة القرآن الإصلاحية التي
تؤكد (والمؤمنون والمؤمنت بعضهم اولياء بعض) قد بعثت
الشعور بأن الرجل والمرأة يتساوى دورهما تمامًا في قيادة
المجتمع الإنسانى إلى طريق الإذعان والخضوع لرب العالمين.
إن أسس الإصلاح التي تم وضعها على عهد النبي
r
لم تجن كل ثمارها على الفور في حياة النبي
r،
لأنه لو حدث ذلك، فماذا يبقى إذًا للتاريخ القادم، وماذا
يبقى من مغزى خاتم الرسل
r؟
إن من يعتقدون أن الثمار التي لم تجن في عهد النبي
r
لا يمكن أن تجنى في المستقبل، أو من يصرون على أن الأمر
الذي لم يحدث في عهد النبي
r
يعد حدوثه في المستقبل من علامات الساعة، لا يدركون في
الحقيقة مغزى خاتم الرسل، ولا يفهمون جوهر الطبيعة الأبدية
للقرآن، وإن لم يكن الأمر كذلك، فماذا تكون إجابتهم حول
آداب المعاملة الحسنة مع العبيد التي حث عليها القرآن،
والتي لا يمكن تطبيقها في هذا العصر لأن مؤسسة الرق
القديمة لم يعد لها وجود، وكيف يمكن لنا إنكار هذه الحقيقة
الواضحة، بأنه نتيجةً لترغيب القرآن في معاملة العبيد
معاملة حسنة، والحض على تحريرهم من الاسترقاق، كانت نهاية
هذه المؤسسة يومًا ما أمرا حتميًا. وبعبارة أخرى، كان هذا
الترغيب وكانت هذه الأحكام بدايةً لانقلاب اجتماعي عظيم
وليست نهايةً له, كما أن آثارها الواقعية قد كتب لها
الظهور العملي في القرون التالية. وعلى نحو مماثل، لا أحد
يستطيع أن يتوصل بعد قراءة أحكام الزكاة في القرآن أن
القرآن يريد أن يخلد طائفة من الفقراء يتوجه الأغنياء
إليهم لإبراء ذمتهم من المسؤوليات والحقوق الدينية الواجبة
عليهم, ويشبه هذا رحلة المرأة التنموية في المجتمع
الإسلامي، ففي عهد النبي
r
كان يُنظر إلى المرأة على أنها مساوية تمامًا للرجل، كما
خُوِّل إليها القيام بأدوار اجتماعية، فكانت النتيجة
الحتمية في السنوات التالية أن قامت النساء بالمطالبة
بمكانة كريمة لهن في المجتمع تقوم على أساس العلم والتقوى.
إن الأساس الذي وضعه الإسلام لتشجيع وتدعيم مكانة المرأة
قد امتدت انعكاساته القوية وآثاره البعيدة خارج المجتمع
الإسلامي، فحركات تحرير المرأة في الغرب، ومشاركتها في
العمل الاجتماعي والسياسي، وحقها في التصويت، وضمان الحرية
الشخصية، كل هذا لم يأت فجأة من فراغ, ولكن كانت وراءه في
الأصل آثار هذه الحركة النبوية التي وصلت الغرب نتيجة
التبادل الثقافي الممتد عبر القرون, لكن بالطبع وقع الغرب
ضحية الإفراط والتفريط في استخدام الحرية الشخصية نتيجة
الاستغناء عن الوحي.
إن المجتمع الإنساني في حالة مستمرة من النمو والتطور،
فحركة تكريم الإنسانية التي بدأها النبي
r
في مكة لن تتوقف رغم محاولات المغرضين. وفي مسيرة التاريخ
الإنساني، نجد ما يدل على جهل أولئك الذين لا يتعدى نظرهم
الميثاق الأعظم الذي أصدره الملك جون عام 1215م، أو الذين
يعتقدون أن التاريخ البشري كان راكدًا قبل الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان، فكل الاهتمامات والمحادثات الموجهة اليوم
للحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته، سواءً كانت حول إنقاذ
العالم من الدمار النووي، أم حماية البيئة، أم الخطط
المستقبلية المعنية بالحفاظ على النوع الحيواني والمخلوقات
الأخرى فضلاً عن الجنس البشري، أم الحفاظ على الهواء من
التلوث, أم محاولات الحفاظ على درجة حرارة المحيطات، فكل
هذه الأشياء في الحقيقة تتصل خيوطها بالحركة النبوية. وإذا
كانت المرأة تشعر اليوم بتهميشها في المجتمع المسلم ذي
السلطة الأبوية، فإن محاولتها استعادة مكانتها الطبيعية من
خلال استجماع الشجاعة الكافية للمطالبة بحقها في الإمامة
مثلاً، لا يمكن اعتباره فكرًا غريبًا منفصلاً عن ذلك
الامتداد التاريخي. إن ما نحتاج إليه الآن هو أن ننظر إلى
تراثنا الحضاري من منظور أوسع بدلاً من الحيرة أو من النظر
إليه نظرة الغرباء، فتعرض أي عمل إنساني للإفراط والتفريط
ليس عبثًا حتى ولو كان مما حث عليه القرآن في قوله تعالى
(فاستبقوا الخيرات) لأن فرصة إصلاح ذلك الإفراط والتفريط
تكون متوفرة في كل لحظة. أما إذا رفضنا هذه المحاولات
قائلين إنها مؤامرة دبرها أعداء الإسلام، أو عمل مردود على
فئة ضالة من المسلمين, فلن نصل إلى فهم صحيح للقضية، كما
لن يبق هناك مكان للإصلاح المنشود.
ولا ريب أن الإسلام على مدار أربعة عشر قرنًا لم يشهد فيما
ماعدا بعض الحوادث التاريخية الإستثنائية عادة اجتماعية
دائمةً لقبول المرأة كإمام أو كخطيب على المنبر، ومع ذلك
لا يمكن إنكار أن الرجال المسلمين لم يتكلفوا في قبول
المرأة كفقيهة، أو مدبرة، أو معلمة. وإذا وضعنا أمامنا
مبدأ أن ثمار الحركة الإسلامية لم تظهر جميعها في عهد
النبي
r،
وأن بعض هذه الثمار قد ظهرت فيما تلا ذلك من سنوات, وأن
حلم إقامة مجتمع عالمي يقوم على تعاليم النبي
r
لا يزال قائمًا، وأن هذا بعينه هو جواز بقاء مغزى خاتم
الرسل ومتبعيه, فسوف تحدث طفرة هائلة في طريقة تفكيرنا،
وسوف نشعر بضرورة الحكم على مسألة إمامة المرأة من خلال
المنظور القرآني بدلاً من النظر إليها على أنها فتنة أو
علامة من علامات قرب الساعة. إن من يعتبرون هذا الحدث
هدمًا للدين نراهم من وجهة نظرنا لا يجدون في أنفسهم
العزيمة للحكم عليه من خلال المنظور القرآني، أو هم لا
يشعرون بضرورة ذلك، فتفسيرات الأقدمين وفتاويهم تمثل لهم
القول الفصل في كل شيء إلى القدر الذي يعتبرون معه أن أي
مناقشة حول هذه الفتاوى تعتبر فتنة في حد ذاتها، مع أن هذا
المبدأ لا يجد ما يؤيده, لأن دين مستقبلي كالإسلام يأخذ
على عاتقه قيادة البشرية إلى قيام الساعة لا يصح أن يخضع
لتفسيرات الأقدمين، لأن في ذلك تعطيل لمهام ومقاصد الوحي.
ومن سوء الحظ أن سادت في المجتمع الإسلامي عبر القرون عادة
النظر إلى القرآن الكريم على أنه كتاب بركات بدلا من
التدبر والتفكر فيه، كما أننا لسنا على استعداد للتسليم
بأن أسلافنا كانوا بشرًا مثلنا؛ فهم عرضة للخطأ في شرح
وتفسير الوحي واستنباط الحكم، وتعيين المصالح والجمع
والتوفيق بين الروايات المتعارضة, ونحن لسنا مكلفين بأن
نحمل التباسهم الفكري على أكتافنا الضعيفة، فهل أخطاؤنا
الفكرية والعملية قليلة حتى نفكر في حمل أوزار القدامى؟ إن
ما نحتاج إليه بدلاً من الإعراب عن الغيظ والحنق من هذه
القضية الخطيرة والحساسة في قالب فقهي قديم أن نحكم عليها
في ضوء رحلة تطور الحركة النبوية الممتدة عبر أربعة عشر
قرنًا. ويجب على المجتهدين المحدثين بقدر شكهم في النظام
الفقهي القديم والتأثيرات الاجتماعية والسياسية عليه، أن
يحترزوا في الحكم على هذه القضية قدر الإمكان من الاتجاهات
الاجتماعية والسياسية والفكرية الحالية.
فلا حكام إسرائيل يضعون نصب أعينهم عقيدتهم اليهودية؛ ولا
السلطة الفلسطينية تسعى إلى إرساء دعائم حكم إسلامي صحيح
قائم على القرآن في فلسطين؛ بيد أن الذين يقدمون أرواحهم
من كلا الجانبين بنفس راضية؛ يدفعهم إلى ذلك وازع من
مشاعرهم الدينية الخالصة ويؤمنون بكل إخلاص بأن استشهادهم
وتقديم أرواحهم هو واجب ديني. وسؤالنا هنا: هل هناك ما
يبرر التضحية بالكثير من الأرواح من أجل أن يستمر حكم
شارون أو عرفات أو من أجل إنشاء دولتين في المستقبل؛
كلاهما سيكون ضد التوراة وضد القرآن؟! |