Home

 

العقل مقابل الإفتاء

تصوروا الموقف التالي من مواقف طلب الفتيا:

رجل يسال عن صورة غليان الحليب حتى يسيل من الإناء بحيث يخشى ضياعه، هل يجوز للمستفتي أن يزيحه فوراً من الموقد رغم ما يخشى في ذلك من احتراق اليد أو إلحاق ضرر بها، فاحتراق اليد عبارة عن ضرر بدني في النفس بينما ضياع الحليب يعد ضرراً مالياً، فأيهما أهون ويفضل تحمله في مثل هذه الحالة؟ وما الذي ترشدنا إليه القاعدة الفقهية المعروفة: أهون البليتين؟ وطبقاً للقواعد الفقهية المعروفة مثل ""لا ضرر ولا ضرار"" و ""المشقة تجلب التيسير""، وما شابهها من القواعد، ماذا يختار المستفتي: الضرر البدني أم الضرر المالي؟ هذه تساؤلات يحتاج  الفقهاء فيها إلى مزيد من المعلومات لإصدارالفتوى الشرعية، منها: الوضع الاقتصادي للمستفتي؛ والكمية الحقيقية للحليب؛ ومدى التأثير السلبي لضياع الحليب على الوضع الاقتصادي للمستفتي، وهل هو يملك الحليب أم أنه مؤظف مؤتمن وتقع على عاتقه مسؤولية الحفاظ عليه؛ هذه التساؤلات وغيرها العديد يمكن أن تسهم في تحويل هذا الموقف إلى قضية تحتاج إلى استفتاء فقهي، ولكننا نرى بوجه عام أن المسلم العادي إنما يقوم بتحديد قدر الضرر المالي والبدني بصورة تلقائية في حياته العادية حسب ظروفه، ولا يشعر بضرورة الرجوع إلى الاسترشاد بعلماء الدين وأصحاب الفتيا، إذا يستطيع المرء بعقله الفطري أن يقرر تلقائياً التصرف المناسب في مثل هذا الوضع؛ حيث يمكن للعقل البشري وبشكل مدهش أن يقدر الموقف ويختار بناءً عليه بين ضياع الحليب واحتراق اليد خاصة وأن الأمر لا يتعدى بضع ثوان، وإذا كان الأمر ذلك، وإذا كان الإنسان يتصرف في مواقف كهذه بطبيعته وفطرته التي أدوعها الله فيه فلماذا يشعر الإنسان بالحاجة إلى مراجعة أصحاب الفتوى وانتظار توجيهاتهم في مختلف الأمور، ولماذا يحس الإنسان  بضرورة التوقف والاعتماد على عقول الآخرين دون الاكتفاء بما منحه الله من عقل؟ وللاستدراك على ذلك، ربما يقال إن مسألة تحمل أهون البليتين من ضياع الحليب أو احتراق اليد أمر دنيوي، أما في الأمور الدينية فلا يمكن الاستناد إلى العقل وملكة الفهم الإنساني وحدهما؛ وهذا خطأ  ولا يشك في كونه خطأ حتى أهل الفتيا أنفسهم.

من المتفق عليه بين الجمهور أن الإسلام لا يفرق بين الدين والدنيا، ولكن رغم هذه الحقيقة نصادف بعضاً من أصحاب الفتيا يحملون جميع أقوالهم وآرائهم على العلوم الدينية، ويطالبون عموم المسلمين أن يقدسوا فتاواهم وآراءهم هذه؛ وبما أن الإسلام لم يفرق بين الدين والدنيا، فلا يجوز تصنيف العلوم إلى دينية وأخرى دنيوية، كما لا يجوز أن يدعى فريق من المسلمين بأنهم متخصصون في العلوم الدينية ومن حقهم أن يطالبوا المسلمين باتباعهم في كل ما يتعلق بالدين، وفي سياق التصور القرآني للحياة لا نجد أن القرآن الكريم قد استخدم كلمتي ""الدين"" و ""الدنيا"" كألفاظ متضادة، وإنما استخدمهما في سياق تكاملي الدلالة بحيث لا يكتمل أحدهما دون الآخر، فقد علمنا القرآن أن متاع الحياة الدنيا - رغم كونها فانية - هو وسيلة للفوز والفلاح في الآخرة، كما نجده قد أمر الإنسان بأن لا ينسى نصيبه من الدنيا، حيث قال: "ولا تنس نصيبك من الدنيا" (القصص:77)

وأهل الفتوى يعلمون أكثر مني ومنك أن لفظة الدين لم تستعمل في القرآن للدلالة على مجموعة من العبادات، بل الدين الحق عبارة عن الدلالة على عبودية عباد الله الكاملة بدون شروط، فمبدأ "ويكون الدين كله لله" القرآني يستنتج وضعا يساير وضع "كلمة الله هي العليا" القرآني نفسه، وقد تم توضيح هذه الحقيقة توضيحا كاملا أن المعرفة الإلهية للأمة المحمدية لا ترشدها إلى ديانة خاصة غير مسبوقة في التاريخ، وإنما هي الملة الإبراهيمية الحنيفة السمحة التي اتبعها الأنبياء السابقون ومن تبعهم بإحسان، فالمدلولات التي نتحدث في ضوئها على القضايا الدينية أو العلوم الشرعية تخلو صفحات القرآن عن أي تعريف لها، القرآن يتوخى من الإنسان أن يلتمس الحلول لجميع مشاكله وقضاياه  في ضوئه وفي ضوء السنة النبوية دون اللجوء إلى أي شيئ آخر، وبالعكس من ذلك إذا تم تفويض بعض المسائل إلى أهل الدنيا والبعض إلى أهل الدين فلاغرو أن يؤدى هذا التصنيف غير الطبيعي إلى فساد وفتنة تدع الحليم حيران.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: في حين لا يقر الإسلام بأي تفريق بين جوانب الدين والدنيا في حياة الإنسان، ويطالب الإنسان بأن يودع حياته كلها في عبادة الله وابتغاء مرضاته، فمن أين يسمح  لطبقة علماء الدين بأن يعتبروا أنفسهم مهرة متخصصين في الأمور الدينية، ويرغبوا العامة بأن يتوجهوا إليهم لمعرفة الأمور الدينية؟ إن أهل الفتيا عامة يستدلون على دورهم  الخاص في المجتمع  بهذه الآية: "فسئلوا أهل الذكر"، ويستنتج منها فيما يبدو للناظر بأن القرآن الكريم يتوخى تأسيس طبقة من أهل الذكر وتأهيلهم للقيادة الدينية، ولكن حينما نقرأ الآية في سياقها الصحيح نفهم بوضوح كبير أن المراد من أهل الذكر هم علماء أهل الكتاب الذين يعرفون نزول الوحي في الأمم السالفة، والدعوة القرآنية ليست بغريبة عليهم، فالذين يختصون هذه الآية لرجال الدين ويستدلون بها على وجودهم شأنهم شأن اليهود "يحرفون الكلم عن مواضعه" :في عملية تحريف يقومون بها، وما أنزل الله بها من سلطان. ومما يستدلون به على هذه المكانة لعلماء الدين آية أخرى من سورة التوبة: "فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم" اقرأ هذا الجزء من الآية الكاملة وفي سياقها الصحيح الذي وردت فيه يتضح لك أن المدلول هو عدم التزام المؤمنين جماعيا أن يخرجوا للجهاد، حيث تخلو المدن منهم قاطبة، بل يجب أن يشغل بعض منهم أنفسهم لفهم الشئون الاجتماعية حيث يمكنهم معاونة المسلمين على القيام بحياة اجتماعية بعدما يرجعون من الجهاد، كما يفهم البعض من هذه الآية  أن يقوم فريق في أي قوم بفهم الدين الصحيح ولما يرجعوا بعد الحصول على المعارف الدينية إلى قومهم يعلموهم كيفية العمل والبقاء على التقوى ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن الدين في القرآن الكريم لا يحدد من مدلوله ما يقتصر على شعائر العبادة أو العلوم الفقهية ومسائل الصلاة والصيام، بل المدلول الحقيقي الكامل هو النظام الاجتماعي الإلهي الشامل، وما يتوجب للقيام بذلك النوع من النظام الشامل من تواجد خبراء الأمور الاجتماعية المطلعين على الهدف الأساسي للوحي، ولا يمكن التغاضي عن أهميتهم، أما زعم من يزعم أن الآية القرآنية إنما تخاطب طبقة رجال الدين في العصر الحالي فهذا لا يعد إلا استهزاء وسخرية بالآية القرآنية الشريفة، فإذا ليس المراد من الدين ما يتصوره رجال الدين فكيف يمكن أن يعتبر خبراء دين العلماء في مصداقية الآية الكريمة؟

نالت شهادة دكتوراه لاهوتية في أوساط الزوايا والدوائر المسيحية المتصوفة شهرة بالغة في العصور المتوسطة، وبالاستناد إلى توزيع مثل تلك الشهادات المليئة بالمصطلحات الفخمة كان رجال الكهنوت يريدون أن يقروا للعامة أن علماء المسيحية الذين وقفوا حياتهم كلها للزوايا والصوامع والكنائس إنما يحتلون مكانة عالية من بين عامة الناس، فيجب أن يعتبروهم حجة في العلوم الدينية، وقبل إصلاحيات مارتن لوثر وحتى في زمانه اكتظت الأوساط المسيحية بمباحثات حول أولوية الكنيسة أو الأناجيل؟ وهل يجب أن تفضل الكنيسة على الأناجيل  دائما وعلى كل حال؟ أصر رجال الكنيسة على تقرير وتفويض حق تفسير الأناجيل وشرحه وفهمه إلى البابا ومن يصاحبه من رجال الكهنوت، أما التفسيرات التي تأتي من خارج هذه الطبقة للقديسيين والأحبار فلا يمكن أن تنال درجة الاعتبار من غير تأييد من البابا، مهما تنسمت الأولى بالاستدلال القوى من الأناجيل والرصانة الفكرية البالغة، وفكرة احتكارية التفسير الرهبانى عرفت لدى اليهود مثلما عرفت لدى المسيحيين، فهم يرون أن الربيين والحاخامات يجيدون تفسير التوراة أكثر مما كان أجاده سيدنا موسى عليه السلام، بل وعلماء اليهود يرون أن الله حينما أسند التوراة إلى عباده، فلا يجوز تفسيره وشرحه إلا من خلال تفاسير الأحبار والربيين والحاخامات.

على أن الإسلام استنكر احتكارية طبقة رجال الدين، ولكن ما حدث فعلا هو أن فكرة توزيع الشهادات الدينية من عالم و فاضل ومفتي ومحدث وقاض ومفسر وما إلى ذلك من الشهادات أدت بنا إلى التباس فكري من شأنه أن يخيل إلينا أن رجلا لم يختلف منا في شيئ غير أنه يحمل شهادة العالمية أو الفضيلة أو أنه يعرف الآن بالمفتي أو القاضي، وهو قد تمكن من الجلوس على مسند عال من القضاء والإفتاء وأنه لايرد قوله، بل يستند إليه في جميع الأمور الدينية، ويعتبر جميع ما يتفوه به حقا لا يشوبه الباطل! وإذا نرى إلى تلك المقررات التي يدرسها هذا العالم "الرباني" في الأعوام الإثنى عشر من عمره في رحاب مدرسة دينية لا تعدو كتبا تصفحها، وهى تعد على الأصابع، فكيف يتحول بعد هذا التصفح للكتب التي لم يسبر حقائقها ولم يتشرب روحها إلى عالم يحتج بعلمه؟ قارن ذلك بالمقررات الدراسية في المدارس الحكومية والخاصة الحديثة وما أدخل فيها من تعديلات خلال النصف من القرن الماضي، والتي تبذل فيها من المجهودات لتثقيف الناشئ بما يتجدد من شئون الدنيا وتطورات العلوم، رغم ذلك كله ليس أحد منا من يتوقع من طالب استكمل الثانوية أن يبلغ من الرصانة الفكرية والرجاحة العقلية والخبرة ما يؤهله للتبوء على مسند يلجأ إليه أهل الدنيا ويستشيرونه في أمورهم، ويعملون حسب إرشاداته؟ بل بالعكس من ذلك يعتبر أنه بدأ الآن مسيرته العلمية، وسوف يصل إلى المرحلة الجامعية ويحتك بمجالس البحوث والتحقيق لكي يستطيع أن يتصف بالتبصر ووجهة نظر نقدية فاحصة، فهل من المعقول أن يعتبر خريجوا المدارس الدينية الثانوية وفترة دراستهم التي لا تعدو عشرة أعوام أو اثني عشرعاما أنهم بلغوا أوج الكمال في  العلم والتحقيق، ونظن خاطئين أن من أمثال هؤلاء المتخرجين الثانويين مؤهلون لقيادتنا وجديرون بها، وأن آرائهم  الآن بمثابة الحجة القاطعة في أمور الدين، الواقع أن مثل هذا التصور بمثابة ظلم على هؤلاء "الأبرياء".

كيف يجوز أن يتم إحلال متخرجين ثانويين محل القيادة وهم في مدارسهم الإسلامية لم يتصفحوا إلا كتبا تعد على الأصابع في مقررات تقليدية متجمدة عبر القرون تصدت أمام أدنى التعديلات؟ وإذا حدث ذلك فعلا فما يتوقع من مثل هذه القيادة؟ وقد صرح القرآن الكريم: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" ولكننا لا يسايرنا هذا الموقف القرآني العقلي في تصرفاتنا، ويشاهد بوجه عام في مجالس الفقهاء ورجال الإفتاء أنهم في تفهم القضايا الجديدة وشرحها والحكم عليها شرعيا يحصلون على خدمات خبراء ومتخصصين في الموضوع، ويتم كل ذلك شفويا، وبعد هذا الاطلاع الشفوي على ايجابيات وسلبيات الموضوع من المتخصص يقومون بإصدار فتاواهم مستخدمين فيها مصطلحات الحرام والحلال وما يجوز وما لا يجوز، ومن أمثلة ذلك أن رجال الدين في استفتائهم بخصوص التلفاز وشبكة الانترنيت، هل يجوز أو لا يجوز من وجهة نظر دينية، قاموا بعقد مجلس للفقهاء والمجتهدين، ولأجل أن هؤلاء الفقهاء والمجتهدين في الشريعة لم يكونوا مطلعين على حقيقة تلك الآلات الحديثة وما لها من آثار إيجابية أوسلبية، فحصلوا على خدمة خبير متخصص في هذا المجال، وبعد الاستماع إلى معلومات أدلاها الخبير في الموضوع أراد علماء الدين أن يجمعوا على رأي، وكالعادة انقسموا إلى فريقين، فريق يقول بتحريم التلفاز والانترنيت وفريق آخر يذهب إلى تحليله، فمن قائل بأن ظهور الصور على شاشة التلفاز لا يجوزه الشرع طبقا لتحريم الصور في الإسلام، وآخر يستفيد من المدرسة الفقهية المالكية ويقول بتحليل صور التلفاز لكونها غير مظللة، أي لا ظل لها، فيذهب مذهب الجواز، وحينما سئل علماء الدين عن رأيهم في مكبر الصوت هل يجوز استخدامه في الأذان؟ حاولوا الاطلاع على حقيقة الصوت عبر مكبر الصوت، هل هو الصوت الحقيقي، أو أنه انعكاس لذلك الصوت؟ ولأجل أن هذه الآلات الفيزيائية كانت خارجة عن نطاق علمهم الديني اقتضت الضرورة أن يحصلوا على المعلومات من مدرس للعلوم المعروف ب"سيتا رام" في مدرسة ابتدائية قريبة، فأخبرهم أن ارتفاع الصوت من خلال مكبر الصوت يشابه الصدى في الوادي، فلأجل أن صوت مكبر الصوت كان من قبيل الصدى أو الانعكاس، ولا يجوز الاعتناء به لكونه انعكاسا للأصل، لا الأصل نفسه، ولكن بعد مضى الوقت لما وسع اطلاع علماء الدين العلمي ووصلوا إلى الخبراء في هذا المجال أدركوا أن هذه الآلة تمتلك إمكانية تضعيف الصوت أضعافا مضاعفة، ومن ثم نال مكبر الصوت قبولا عاما، وعندما سئل الشيخ أشرف على التهانوى في الهند عن الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم في الجراموفون، فأفتى با لكراهية في ذلك باعتباره من آلات الطرب، والآن وقد عم فينا استخدام أشرطة مسموعة ومرئية و  الأسطوانات "سيديهات" منوعة لا يخطر على بالنا أن هذه السيديهات بمثابة محافل المطربين والمطربات التي تضج دائما بأصوات الطرب والغناء، وما يوجد من رأيين مختلفين بخصوص التلفاز لدى علماء الدين سببه الرئيسي أن المسألة لم تتحدد ملامحها الرئيسية أمامهم حتى الآن، هل الصور المعروضة على شاشة التلفاز أصلية أو أنها انعكاس لها، فبعض العلماء يقولون بحلته باعتبار أن المتكلم تنعكس صورته عبر النشرة المباشرة مثل الصورة المباشرة في المرآة، ويغيب هذا الانعكاس تلقائيا عندما ينسحب المتكلم من واجهة الكاميرا، ويرى البعض بأنه يمكن إعادة نشرها ومعنى ذلك أنه يمكن فيه حفظ الصور وتخزينها، وهذا مما لا تجوزه الشريعة، ومن علماء المدرسة الفقهية الحنفية من يتخذون موقفا متشددا من حرمة الصور، ولكنهم يستحلون بل يفضلون استخدام التلفاز لنشر الدعوة الإسلامية، بينما نصادف منهم من يتحمس لضرورة تأسيس محطات تلفازية مخصصة لنشر رسالة الإسلام في العصر الحالي، ولكن رغم كل هذه الآراء "الشرعية" يصعب لعامة المسلمين أن يعرفوا الحكم الحقيقي  في الشريعة الربانية عن هذه الآلات الحديثة، فهنا من يعدد منافعها، وهنا من يقول: "إثمهما أكبر من نفعهما"!

ومما يبعث على الحيرة أن الذين لا يملكون كفاءات لتفهم الدقائق التقنية للآلات الحديثة، كيف يجترئون على الإدلاء برأي حتمي ظانين أنفسهم أرباب الفتيا، ويرجون من العامة أن يتبعوهم؟ عقد في الأيام الماضية أول مؤتمر علمي دولى في مدينة بندقية (فينس) السياحية في ايطاليا، وكان الموضوع: مستقبل العلوم التطبيقية والخوض في أبعادها المختلفة، و استدعي كاتب هذه الأسطر للمشاركة فيها، وتناولت الأبحاث المقدمة فيها أبعاد الخلية النسبية (Stem Cell) وجملة التحقيقات العلمية التي تمت في هذا المجال، وكل ذلك في جو مفعم بالتحمس، ونوقش فيه ما يوجد لدى الأوساط الدينية من تحفظات بخصوص الاستنساخ، وذكر فيها ما افتت به أوساط إسلامية شهيرة من أمثال مجمع الفقه الإسلامي (جدة) و جامعة الأزهر، وقد اشتكى أهل العلوم التطبيقية بوجه عام أن ما ورد من آراء في الموضوع من الأوساط الدينية يتضح من دراستها أن هؤلاء الأفاضل لا يعرفون في الواقع مغزى المسألة تماما، والحقيقة أن ما ظهر من مباحثات في هذا الموضوع في أجهزة الإعلام العالمية يشوبه عنصر الدعاية، وبعض الباحثين يحاولون أن يقرروا في لغة الدعاية أن الأيام المقبلة تشهد تطور السلسلة الجينية (DNA) تطورا يحتل رئاسة العلوم التطبيقية، ويتم استخدامها لما يشبه خوارق للعادة في مجالات الصحة والأمن، أما مسألة الاستنساخ واعتبارها تدخلا إنسانيا في الخلق الإلهي فللاطلاع على حقيقتها وما لها وما عليها يجب أن يتسنم بنظرة متخصصة، وبدونها يبقى الكلام فيها مجرد كلام يشبه القصة العلمية.

أما هذا التصور أن بعض البحوث الإنسانية عبارة عن التدخل في الخلق الالهى، وأن ذلك محاولة للتبوء على منصب اللاهوت فهو في الواقع لا يعدو مغالطة، فالكون كما خلقه الله يحمل في طيه من الأسرار والرموز مايفوق الحصر، ومسيرة الإنسان الحضارية من أول يومها عبارة عن كشف تلك الأسرار والرموز وتسخير القوات المستترة في الطبيعة، والله جل وعلا يريد من الإنسان أن يسخر هذا الكون، فنزول الماء من السماء واختصاب الأرض به بألوان من الزروع عمل طبيعي يحير العقول ويجعل الإنسان يخشى الله عز وجل بالتدبر والتفكر فيه، والله يحب أن يواصل عباده الذين حملوا العلم عملية تسخير الكون، فهم الذين يمكن أن نسميهم بالعلماء في القرآن: "إنما يخشى الله من عباده العلماء"، وبالعكس من ذلك إذا اكتفينا بعقد جلسات لإصدار الفتاوى بشأن هذه  الأمم التي تقوم بعملية تسخير الكون، أو تقرير ما يجوز استخدامه من منتوجاته ومخترعاته وما لا يجوز، فهذه العقلية دوما تجعلنا نمسك بأذيال هذه الأمم ونحاول اللحاق بها، ولا نلعب دورا قياديا في هذه الدنيا، فكيف هذا العلم الشرعي الذي يجعل حملته يتابعون أصحاب الاكتشافات العلمية من غير أن يؤهلهم علمهم لقيادة العالم، والذين اقتصرت مهمتهم على مجرد إصدار الفتاوى بخصوص الآلات الحديثة في سياق فقهي مقيد تحليلا وتحريما؟

فالذين يخطئون في ظنهم أن طبقة علماء الدين هذه هي طبقة ورثة علوم النبوة، كيف يمكنهم أن يتغاضوا هذه الحقيقة أن مسئولية قيادة المسيرة الإنسانية بدأ من البعثة المحمدية إلى نهاية مطاف التاريخ ملقاة على كواهل أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فالقسمة الظالمة للثروة و احتكار الوسائل المادية في أيد خاصة و سلطة الرأسماليين في العالم، كل هذا يشكل ظواهر بشعة لن يتحملها أتباع خاتم النبيين، أضف إلى ذلك ما يتمخض التلوث البيئي والتغيير المفاجئي في الطقس و الاستهلاك الاعمى للموارد الطبيعية إنها تثير قضايا هامة، فمن يداويها غير حملة الرسالة المحمدية؟ وماذا يكون البديل للوقود التقليدي (البترول) في المستقبل؟ وهل يمكن تقليل التلوث البيئي من خلال الوقود الهائدروجيني؟ هذا وما أشبهه من تساؤلات توجه نفسها إلى حملة الوحي السماوي الأخير أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

يدهشنا أن من فوضت إليهم قيادة الأمم في هذا العالم والذين كان المرجو منهم أن يقودوا في مجالات الاكتشافات والمنتوجات والمخترعات من خلال التفكير في آيات الله في هذا الكون، وقعوا فريسة لتعريف وتفسير محرف للعلم حتى ابتعدوا عن  التفكير في آيات الله رغم كونه من الواجبات الدينية لديهم ، فابتعادا من التعريف القرآني للعالم قادتهم ثنوية التصنيف العلمي بين ديني وغير ديني إلى عالم من الانحطاط الفكري اقتصرت فيه وظيفتهم على الكلام في المصطلحات الشرعية وغير الشرعية مثل أحبار اليهود، رغم أن الله قد أوضح في كتابه ما أحله لعباده وما حرم عليهم بتفصيل قائلا: "منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة"  أما الراسخون في العلم فكان يتوقع منهم أن يجتنبوا من والنقاش والجدال وإدلاء الآراء، ويقولوا " آمنا، ولكن هيهات! هل يمكن أن يطمئن العقل على أن من يحتاجون إلى محاضرات الخبراء للاطلاع على حقيقة الآلات الحديثة، والذين يجادلون حتى الآن على موضوع الصور في كونها أصلا أو عكسا على شاشة التلفاز، يسند إليهم حق الحكم في المسألة، ولا يعتبر بكلام الخبراء الذين اطلعوا حقا على تلك الآلات وعرفوا حقيقتها!

 

Home


اطبع  ملاحظات أضف الى المفضلة  أخبر صديقك   
 

 
 

 

 

تنزيل مجانية

 
 

 

 

 

 


Privacy Policy

حقوق النشر، فيوتشر إسلام 2004 جميع الحقوق محفوظة