|
هل المستقبل للإسلام؟
إن حقبة ما بعد الديمقراطية تخطو نحونا على وتيرة سريعة،
فالمبادئ الإنسانية التي تشدقنا بها طويلاً مثل الحرية
والكرامة الإنسانية وفكرة المجتمع الحر في حالة انحسارٍ
مستمر، كما أن الحرية الفكرية، وهي الأساس الحقيقي لمستقبل
أي مجتمع يريد أن يكون عماده التحضر، تواجه خطرًا كبيرًا
في كافة أنحاء العالم، لا سيما في العالم الغربي؛ المعقل
التقليدي للديمقراطية الحديثة.
لم تزد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من حدة ما أٌطلق عليه
خطأً "صراع الحضارات"، بل كانت معركة حقيقية بين الحرية
والفاشية، وبين التحرر والتعصب، فقبل أحداث الحادي عشر من
سبتمبر بفترة طويلة، وخاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، كان
العالم الغربي ينتقل من التعددية الحرة إلى الديمقراطية
العادلة، ومن الطبقات الثرية الحاكمة إلى عصر ما بعد
الديمقراطية، وهو الوضع الذي لا زال يحتاج إلى تحديد صحيح
وواضح. ورغم أن التعبيرات القديمة مثل الحفاظ على حقوق
الإنسان ونشر مبادئ الديمقراطية هي سبب القلاقل المستمرة
للسياسة الخارجية الأمريكية وصناع القرار في واشنطن دي سي،
إلا أنه يبدو أن العديد منا لم يعد يؤمن بالديمقراطيات
الأخرى الفعالة. ورغم أن المبادئ الديمقراطية تطلب منا أن
نحترم سيادة الأمم الأخرى، إلا أن مناصرة طريق الديمقراطية
العادلة قد اعتمدت - دون اعتبار للمخاطر – على تصدير
الطريقة الأمريكية في الحياة إلى أجزاءٍ مختلفة من العالم،
ومن ثم وصلت الحرب من أجل الديمقراطية إلى درجة الحرب
الإمبريالية، أو ما يمكن أن نطلق عليها تهور أحمق لغزو
العالم كله.
وتتعدد معاني الديمقراطية لشتى أنواع البشر في مختلف أنحاء
العالم، وهذا يعتمد على التركيبة الاجتماعية والدينية
للمجتمع، وأي محاولةٍ لتعريف الديمقراطية بمصطلحات موحدة
لن ينتج عنها إلا نفي روح الديمقراطية نفسها. وإذا كان
الضمير الديمقراطي لأمريكا يمكن أن يسمح بتطبيق عقوبة
الإعدام داخل الأراضي الأمريكية، فلا يوجد مبرر أخلاقي
للاعتراض على القرار الفرنسي بحظر ارتداء الحجاب أو الرموز
الدينية الأخرى في المدارس، أو إدانة المجتمعات المسلمة
لعدم قبول المساحقات والشواذ كأقلية معترف بها داخل
المجتمعات. لقد أدت سذاجة صناع القرار الأمريكيين في تصوير
وتصدير الديمقراطية سواءً بالخداع أو الاحتيال إلى إصابة
الديمقراطية الليبرالية في مقتل. إن الديمقراطية التي
اخترعتها البشرية عبر تاريخها الطويل الذي يمتد لقرونٍ
كأحد أشكال التغيير السياسي السلمي أصبحت الآن - وبكل أسفٍ
- ظاهرة منتهية، لقد أصبحت الديمقراطية خيارًا بين الشرور
الهينة والعظيمة، وهذا هو عين ما حدث في الانتخابات
الأخيرة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، حيث لم يكن
أمام الناس سوى الاختيار من بين خيارات مبتذلة وفاسدة، ففي
أمريكا كان الاختيار بين كيري وبوش، وفي بريطانيا كان
الاختيار بين حزب العمال والمحافظين. لقد أدى غياب أي صوت
ديمقراطي فعال في المعاقل التقليدية للديمقراطية
الليبرالية إلى وجود أعداد متزايدة من معسكرات الاعتقال في
مختلف أنحاء العالم، حيث تنتهك الكرامة الإنسانية. إن أيام
المعسكر السوفيتي أرخبيل غولاغ (Gulag
Archipelago)
وأهوال المحرقة النازية أوسشفيتز (Auschwitz)
تطل برأسها علينا مرة أخرى، ولكن على نطاقٍ أوسع هذه
المرة.
هل يمكن أن تنتصر الديمقراطية مرةً أخرى؟ أصبح من الصعوبة
المتزايدة في عصر ما بعد الديمقراطية أن يقوم فردٌ واحد
ببذل كفاح عامٍ وشاملٍ من أجل استعادة الكرامة الإنسانية،
والسمة الغالبة للموقف في حقبة ما بعد الديمقراطية هي
الغموض الذي يكتنف مصادر القوة الخاصة بها، ولكنها فيما
يبدو تشير إلى أن الإمبراطورية الأمريكية هي التي تتحكم في
العالم من خلال "معسكرات" الاعتقال المنتشرة في مناطق
متفرقة من العالم. وبالإضافة إلى ذلك، توجد العديد من
مراكز القوى غير الواضحة والتي لا يمكن التحكم فيها داخل
هذه الإمبراطورية وخارجها مثل الشركات متعددة الجنسيات،
والمنظمات غير الحكومية متعددة الجنسيات، والمؤسسات
والشركات الاحتكارية ذات رؤوس الأموال الضخمة، والمؤسسات
المالية التي تتحكم في مصير الشعوب "المستقلة"، والقنوات
الإعلامية التي يملكها ويتحكم فيها قلة من أصحاب الثروات.
إننا لا نستطيع في ظل فوضى حقبة ما بعد الديمقراطية أن
نحدد كيف لنا أن نسعى للإصلاح؟ أو حتى كيف يمكن أن نوجه
البداية المتواضعة الوجهة الصحيحة؟. إن الديمقراطية
الغربية ليست هي وحدها التي وصلت إلى طريق مسدودٍ، ولكنها
قد تسببت في حدوث خواء أيديولوجي للأفراد.
إن الخوف من حقبة ما بعد الديمقراطية يفوق الخوف من
النظريات الغامضة الخاصة بـ "نهاية التاريخ"، وربما يعتقد
أصحاب هذه النظريات أن التاريخ سوف يبدأ مرة أخرى، بينما
يتسبب الخواء الديمقراطي في أن تخيم علينا مشاعر من اليأس
والكآبة ترى عدم بقاء أي أيديولوجية يمكن تعليق الآمال
عليها، كما يرى هؤلاء أن التاريخ قد انتهى إلى حالة من
الفوضى، وأننا نتجه الآن إلى مصيرٍ غير معروف. لقد أصبح
العديد منا، ونتيجة الخوف لما يحمله المستقبل بين طياته
لهم، يريد الرحيل عن هذا العالم في قنوط، ولكنهم يشعرون أن
الوقت قد تأخر. إن التحكم الكامل في النظام العالمي
للمؤسسات العملاقة وشبيهاتها من المؤسسات الرأسمالية
الأخرى قد أدى إلى ضعف القيادة السياسية وجعلها كعملاء لأي
ثورة مستقبلية، ومن المثير للسخرية أن تعتقد أن أي دولة
مهما كانت قوتها يمكنها أن تتحكم في الشياطين الرأسماليين
الذين لا يعرفون سوى القسوة والوحشية، وما هو أسوأ من ذلك
أن هذه المؤسسات العملاقة تتحكم في الإعلام العالمي، مثل
مؤسسة جنرال إليكتريك التي تتحكم في قنوات (NBC,
CNBC, MSNBC)،
وتايم وورنر (CNN)
وديزني (ABC)
وفياكوم (CBS)،
وهم لا يعرضون لنا إلا ما يريدون مشاهدته، كما أنهم يريدون
دائمًا عد إطلاعنا على الموقف الحقيقي خشية ألا يؤدي ذلك
إلى إحداث تحركًا قويًا ضد نهبهم واستعمارهم للعالم.
لا ريب أن الموقف الذي نعيشه تخيم عليه روح الكآبة
والظلمة، ويبدو أنه لا يوجد أحد لإنقاذ هذا الكوكب وسكانه
من الفوضى وانعدام النظام الذي يسوده. أما فيما يتعلق
بحركات السلام أو حركات حماية البيئة أو المنظمات الدولية
لحقوق الإنسان، فهي الأخرى تعد نوعًا ما امتدادًا لنفس
النظام الرأسمالي الوحشي، حيث يعتمد كل ذلك على التبرعات
والإعانات المالية لتلك المؤسسات. وسوف تسمح الرأسمالية
لهذه الحركات أو المنظمات بالتحرك طالما أنه يمكن احتواؤها
أو طالما أنها لا تمثل تهديدًا خطيرًا على جشعهم المتزايد
بشكل دائم. ونحن سوف نرتكب خطأً كبيرًا إذا اعتقدنا أن
حركات السلام أو جماعات مناهضة الحرب يمكنها أن تحدث
تغييرًا جذريًا في المستقبل القريب، وهناك بعض الحالات
التي تم فيها الحد من دور هذه الحركات كلما سنحت الفرصة
بذلك، أو عندما يصبح صوتها مسموعًا بدرجة يصعب احتواؤها.
ففي أكتوبر من عام 2000، قامت حوالي 50 منظمة غير حكومية،
كان من بينها منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق
الإنسان، بمناشد الأمم المتحدة بـ "تحميل الولايات المتحدة
المسئولية عن مشكلة التمييز العنصري المستعصية والمستمرة".
وفي مؤتمرٍ للأمم المتحدة عُقد في دربان لمناهضة العنصرية
قبل أيام من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، اعترضت بعض
المنظمات غير الحكومية على الوضع الراهن الذي يؤيد إحدى
القرارات التي كانت تنص على أن الاقتصاد القائم على السوق
الحر "نظام به أخطاء أساسية فادحة"، لكن كان يجب إسكات
أصوات العقل هذه خلف ستار "الحرب على الإرهاب"، وخاصة بعد
إعلان القوانين المشددة لمناهضة الإرهاب، تلك القوانين
التي انتهكت حقوق الإنسان الأساسية.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، أين يجب أن نتجه؟ إن موت
الديمقراطية لم يترك لنا خيارًا سوى أن نبحث عن وسائل أخرى
ممكنة لنظام عالمي بديل، وحتى هذه اللحظة، لا توجد خيارات
جاهزة متاحة أمامنا. وحقًا، إن كتاب الله يوجد بين أظهرنا،
لكنه ظل قرونًا عديدة مقصورًا على حدودٍ معينة لا يتخطاها،
كما يوجد أيضًا بيننا من كان يسوع يدعوهم "ملح الأرض" أو
"نور العالم"، وكذلك أولئك الذين ينظرون إلى أنفسهم على
أنهم شعب الله المختار، بالإضافة إلى مطالبة رجال الدين
على مختلف أشكالهم بتحقيق السلام العالمي. لكن كل هؤلاء
يفتقدون إلى الخطة الفعالة والقابلة للتطبيق لإنقاذ كوكب
الأرض من هذا المستنقع الحالي، فاليهود، أو كما يطلقون على
أنفسهم شعب الله المختار، يصبون جل اهتمامهم على خلاص
شعبهم فقط، أما المسيحية فقد قامت في إطار حماسها لتحقيق
كافة الأماني التي يرجوها كل شخص بعمل العديد من التسويات
في مسار تاريخها، حتى أنها لا تزيد الآن عن كونها مدينةً
على إحدى الجبال. ومع ذلك، توجد بعض النفوس الشريفة
واليائسة بين اليهود والنصارى وكذلك بين المجتمعات المؤمنة
الأخرى، إلا أنه رغم إدراكها أن المشكلة عالمية وتحتاج إلى
مجهود عالمي، فقد ظلوا على مدى قرونٍ يتدربون على العمل في
معزل. وبما أن كل مجتمع يهتم فقط بهيمنته وخلاصه الخاص،
فإن أي مشروع مجتمعي لا يحظى بقبول المجتمع الآخر. وهذا هو
حال بعض أنصار الإسلام المتحمسين الذين يرون المستقبل في
إطار سيطرة المسلمين على العالم، وكذلك حال أولئك الذين
يرون أن الحضارة الغربية قد فقدت بريقها، وأن الوقت قد حان
لتكون السيطرة للحضارة الصينية أو الهندية. إن تصوير
الإسلام أو أي أيديولوجية عالمية لذلك السبب على أنها بناء
حضاري أو ثقافي كان له دائمًا آثارًا مأساوية، فالإسلام،
رسالة الله إلى العالم، هو دعوة لكافة الناس أن يسلموا
وجوههم لله الواحد لا شريك له، يجب أن يتحرك خارج الظلال
الحضارية التي ألقيت عليه في العصر العباسي، أو العصر
الذهبي المزعوم للإسلام.
إن العالم الذي نعيش فيه اليوم عالمٌ متشابك ومتداخل، وأي
أيديولوجية تدعي أنها قادرة على تحرير وفك هذا التشابك
والتداخل لا بد أن تكتسب قبولاً ومظهرًا عالميًا، كما أن
أي محاولة لإحياء الحضارة الإسلامية، وفقًا لتصور الكثير
منا، لن يكون تأثيرها سلبيًا فقط، ولكنها أيضًا ستكون ضد
أهداف القرآن الكريم ومقاصده. ويجب على أولئك الذين يرغبون
في إنقاذ العالم من المستنقع الحالي أن ينظروا أولاً إلى
تكوينهم الأيديولوجي ليروا إذا ما كانوا بالفعل أصحاب
رسالة تحظى بالقبول العالمي لعظمة النبوة وروعتها.
دعوني أوضح لكم هذا الأمر. إن الإسلام - كما ينظر إليه
الناس على عمومهم - يجمع بين الرسالة الإلهية وتاريخ
المسلمين، وقد شكلت الكثير من العناصر الثقافية والتاريخية
ما نطلق عليه اليوم الهوية المسلمة، وهذا الأمر ينطبق على
معظم الديانات والأيديولوجيات، وهذا هو السبب الذي جعل هذه
الديانات ذات قبول محدود، حيث إنها تسعى إلى تحقيق حاجات
بعض الفئات الخاصة من الناس وآمالهم. إن النظرة إلى
الإسلام على أنه دينٍ نشأ وترعرع في الجزيرة العربية، أو
على أنه دينٌ لمن يعيش في منطقة الشرق الأوسط ليست هي
النظرة الصحيحة للإسلام. وكان لوجود بعض الأسباب التاريخية
والمناقشات الفقهية التقليدية المتعلقة بتقسيم العالم إلى
دار الإسلام ودار الكفر أن اعتقد فقهاؤنا أن صبغة الإسلام
الأساسية كانت الصبغة العربية، واليوم، أصبح ظهور الإسلام
مرادفًا للغزو الثقافي والسياسي للمسلمين. إن صورة الإسلام
هذه يجب استبدالها بالصورة الحقيقية لرسالة الله الصادقة
التي تبطل كل أنواع الغزو، ثقافيًا كان أو دينيًا أو
سياسيًا أو أي شيء آخر. ولا ريب أن بعث موقف يقوم فيه كافة
الناس دون اعتبار للون أو الجنس أو اللغة بالتضرع باسم
الإله الأعظم هو ما يدعو إليه الإسلام، والساحة العالمية
مهيأة في الآونة الحالية لظهور إسلام عالمي على مسرح
الأحداث.
إن القرآن رسالة الله الخالدة يجب أن تكون صالحة لكل زمان
ومكان، ولكل الجماعات الجغرافية واللغوية، ولكافة البشر
ذكورًا كانوا أم إناثًا، ولا يمكن المغالاة في التأكيد على
أن كون القرآن عربي يعطي العرب أفضلية على غير العرب. وفي
عصر تكوين الإسلام في صبغته العامة عندما اتخذت رسالة
الإسلام شكل الأيديولوجية الإمبراطورية، وفي إطار أنشطتنا
التفسيرية التي أدت إلى تقنين عقيدة المسلمين، أصبح
التأكيد على الشكل السائد والشائع للعقيدة الذي يهتم
كثيرًا بالمظاهر الخارجية جزءًا لا يتجزأ من العقيدة
الإسلامية. ومنذ هذا الوقت، وخشية الفتنة، أسست السنية
المسلمة نفسها بالتدريج في التاريخ الإسلامي تاركة لغيرها
مجالاً ضيقًا للظهور، وأعلن العلماء غلق باب الاجتهاد،
ووضعوا قيودًا شديدة على كتاب الله خشية أن يتجرأ أحد على
فتح كتاب الله يلتمس الهداية منه مباشرة مع تجاهل المذهب
السني. وطالما كانت الإمبراطورية المسلمة باقية في أشكالٍ
مختلفة في بغداد، وأسبانيا، وتركيا، والهند، أكد العلماء
المسلمين – مثل الكنيسة الكاثوليكية - على حقهم وحدهم في
تفسير كتاب الله تعالى، ولكن سرعان ما تغير الوضع، ليس
نتيجة ضعف تحكم السنية في زمام الأمور، ولكن نظرًا لظهور
مواطن كثيرة في عالم الانترنت، استطاعت بعض النفوس اليائسة
التدخل في تأويل النصوص وفقًا لأهوائهم؛ حيث قاموا بصياغة
شخصية عامة متفق عليها للعصر الجديد. ولا تعد شبكات
الانترنت هي المجال الوحيد الذي لا تستطيع السنية التحكم
فيه بشكل قوي، فقد عانت المجتمعات المسلمة كثيرًا من أشكال
الفجر الكاذب الذي نشأ عن حركات الإحياء المنهمكة في البحث
الجاد، وهناك الكثير من العادات الثقافية القديمة
والمعتقدات الدينية تحت البحث والتقصي الشديدين. وفي
الحقيقة، إننا لنقف مذهولين أمام هذا البون الشاسع بين
الإسلام النبوي والإسلام التاريخي.
وربما تبدأ فترة جديدة من التاريخ النبوي، وهذا هو ما أطلق
عليه فوكاياما "ليبدأ التاريخ من جديد". |