المشاركات الرائدة

نحو رؤية مستقبلية للإسلام

راشد شاز

يقول الله تعالى في كتابه الحكيم:

وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتۡ (٧) وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُ ۥدَةُ سُٮِٕلَتۡ (٨) بِأَىِّ ذَنۢبٍ۬ قُتِلَتۡ (٩) وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ (١٠) وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتۡ (١١) وَإِذَا ٱلۡجَحِيمُ سُعِّرَتۡ (١٢) وَإِذَا ٱلۡجَنَّةُ أُزۡلِفَتۡ (١٣) عَلِمَتۡ نَفۡسٌ۬ مَّآ أَحۡضَرَتۡ (١٤)

(سورة التكوير 7-14)

لدى مطالعة هذه الآيات الكريمات من القرآن العظيم، يجد المرء نفسه أمام مشهد كوني يتجاوز ما بعد الحداثة مما يذكره على الفور  بشبكة المعلومات الدولية؛ وهنا يختلط  تصور الإنسان ليوم القيامة بهذا العالم الدنيويالدنيوى، هذا العالم الذيالذي طغت فيه الحياة الحديثة على الاتجاه التقليدي.؛ ولا عجب أن يمكننا القرآن، وهو كلام الله تعالى، من تصور الماضيالماضي والحاضر والمستقبل في رؤية واحدة تشبه كثيراً النظر المفاجئالمفاجىء إلى صاعقة رعدية.

وما كان العجب من خلق فضاء افتراضي بعيداً عن عالم الحقيقة عجباً عادياً؛ فهو عالم يتفاعل فيه ملايين البشر فيفي مناقشة جادة ومدروسة لكل ما يوجد تحت الشمس من قضايا وموضوعاتالتي، مما يجعله ظاهرة تسهم وبشكل سريع في تشكيل رؤيتنا نحن بني الإنسان حتى أشد المحافظين بيننا لتلك القضايا؛ ففي عالم الإنترنت لا توجد تلك المرجعيات الدينية الرسمية التي يلجأ الناس إليها طلباً للموافقة على أداء عمل ما، كما أنه عالم يتعذر فيه تطويع الآراء المخالفة أو إخضاع أصحابها بقوة السلاح. ففي؛ وفي عالم الإنترنتالإنترنت ليس هناك مدينة عاصمة، ولا حاضرة في دائرة الضوء، أو مناطق مركزية وأخرى ضواحي؛ حقا إنه لأحد مشاهد مرحلة تقليدي حقيقيما بعد الحداثة حيث يتمتع العقل البشرى بالحرية في  بناء صورة ذهنية عبر  فيض من الخيوط الفكرية الطليقةفي؛ إنه عالم تقيّم فيه الأفكار على أساس جدارتها واستحقاقها  إلىدوندونما أدنى اعتبار للمنبر الذي خرجت أيمنه أو تنتمي إليه؛ ونظراً لما مني به العقل البشري من إحساس عميق بالخير والشر، فإنه عرضة في هذا العالم الافتراضي لمواجهة الشيطان أو ملاقاة أعدائه على حد سواء؛ وفيوفى خضم ما نراه من   وابل الإجاباتالإجابات التقليدية الثابتة المستقاة من الكتب والمصادر التقليدية القديمة والمعدة مسبقاً للرد على أسئلة بسيطة فإن هذا العالم مليء أيضاً بالكثير من القضايا المستحدثة التيالتي تدعونا أن نفكر فيها بشيء من الحداثة ، لقد ساهم عالم الإنترنت في خلق منبر جديد يضج بالأفكار التي تتنوع من مجرد الالدعايةدعاية الشكلية  للمناظرات الأكاديمية الجادة ،.

وكل هذا مهد الطريق لخلق مسرح يتسع لعقد مناظرات دولية حقيقية تتسم بالوضوح والحرية، ولظهور رسالة الله تعالى واضحة جلية دون اصطباغها بأي صبغة جغرافية أو ألوان محلية أو ثقافات قومية.؛ فالإسلام هو رسالة الله تعالى إلى البشرية، ومحمد r هو البشير النذير للعالمللعالم كافة، فأين يمكن لهذه الرسالة ونبيها أن يجدا تقديراً الأفضلأفضل مما يمكن أن يقدمه عالم الإنترنت؟ فالعقل المسلم التقليدي ما زال فيفي حيرة لأن الاتجاه الجديد أودى بالطرح القديم آذى الذي كان يقسم  العالم إلى دار الإسلامالإسلام ودار الكفر إلى طي النسيان ؛ إذ بات من ضروب المحال العيش فيفي جزر منفصلة منغلقة  عن العالم ولا تتصل ببعضها؛ فهؤلاء المولعون بالنظر إليإلى العالم من وراء نظارة الثقافيثقافة أو بالتعرف على رسالة الله تعالى من خلال الثقافة العربية ربما لا يستريحون بالاتجاه الجديد الرامي إلىالرامي إلى الفهم الحر لرسالة الله تعالى من خلال صفحات الإنترنت.الإنترنت بعد تحريرها من الصبغة الثقافية القومية؛ فالقول بأن الإسلامالإسلام دين شرق أوسطي والتخطيط التقليديأوسطي بات فكراً آخذاً في الذبول والتلاشي ونفس الشيء ينطبق على العرض التقليدي للإسلام الذيالذي يقدمه مفسروه المبجلون بعد أن ألبسوه عباءة الثقافة العربية.

ففي بعض أحقاب الضعف في تاريخ المسلمين، كان مفكرونا وعلماؤنا يعتقدون أن الطريق الوحيد لضمان بقاء الإسلام يكمن في حماية المظاهر الخارجية والأشكال التقليدية لأسلوب الحياة. ، وربما كان كتاب “اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم” لمؤلفه ابن تيميه “اقتضاء الصراط المستقيمتيمية  – والذي يعتبر محاولة بائسة  لإيقاف انحطاطنا -, هو الوثيقة الأكثر إفصاحاً عن تلك الرؤية التي لم توضع موضعها السليم؛ فنوعية الإسلام الذي ينبثق من أمثال هذه الأطروحات يعنى في المقام الأول بمظهر اللباس والولع بالنأي عن “الآخر”؛ إن هذا التقليد الزائف عديم القيمة – وهو, مجرد إسناد جيد باعتراف ابن تيميهابن تيمية نفسه  – قد أصبح عاملاً فاعلاً في تشكيل العقل الإسلامي في عصر الانحطاط؛ إن ارتباط الإسلام بالثقافة العربية والنظر إليه من خلالها  قد أحدث شكوكاً خطيرة في دعوى عالمية رسالته، بل وأدى إلى وقف سير الدعوة في المناطق غير العربية؛ ولقد كان تأثير هذا الطرح شديدبالغ التأثير حتى وجد له صدى في أماكن مختلفة عبر العصور؛ ففي الهند مثلاً, نجد أن أحمد سرهندي وشاه ولي الله كانا يعتقدان أنه من الواجب على المؤمنين مقاومة أي شئ غير عربي واعتبار مكمن الفخر في كل ما هو عربي؛ ولكن مما يؤسف له أن هذا المظهر العربي الخاص بالنسبة للإسلام أضحى أمراً طبيعياً لدرجة أن كثير منا إلىاليوم لا يكاد يستطيع تصور المسلم الحقيقي من غير ثوب عربي أو زي شرقي.. فعلى مدى قرون طوال ونحن يقال لنا,أن لبس ثوب غير عربي أو قص الشعر بطريقة غير عربية قد يؤدي إلىإلي بطلان عقيدة المسلم، بل وحتى تعلم لغة أجنبية لم يكن عن ذلك ببعيد؛ واستناداً إلى دعاة هذا الفكر لهذه التقاليد الموضوعة أصبح تعلم اللغة الفارسية حراماً، وعلى ذلك فإن تلك الرؤية التحريمية,التحريمية بكل ما تنضوي عليه من مضامين, و ينبغي صل أن تنطبق في عصرنا على اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية واللغات الأجنبية الأخرى ؛ ذلك لأن ثمة اعتقاد خاطئ كان سائداً,،  وكما ارتآه ابن تيميه,تيمية، مفاده أن اللغة الفارسية تدخل المرء إلى مسالك النفاق، بل والأنكى من ذلك – حسب هذا الاعتقاد – أن المسلم إذا استوطن غير أرض المسلمين فإنه سيحشر يوم القيامة في زمرة الكافرين.

إن هذا العرض الجغرافي والثقافي لدين عالمي لم يلزم المسلمين فقط بالانضواء داخل حدودهم النفسية التي هي من صنع أيديهم، ولكنه أيضاً أوجد نوعاً من كراهية الآخر والخوف منه، الأمر الذي يناقض صحيح دعوة القرآن لخلق مجتمع كوني واحد على أساس التوحيد. لقد كان الداعمون للمنظور التوحيدي الجدد يدّعون أنهم دون غيرهم أول من عبد الإله الواحد الحق، غير مدركين لما ينطوي عليه هذا الاتجاه المنغلق من مضامين سلبية؛ فلقد اعتاد الموحدون الجدد أن يدفعوا بقولهم: “أجمع أهل السنة والجماعة أن المسلمين العرب لهم أفضلية على غير العرب”، وهذه المقولة غير المسؤولة إلى جانب أنها تمثل خيانة لتعاليم الإسلام فهي تعبّد الطريق لصراع العرب مع غير العرب، وصراع الشرق مع الغرب.

وفي ذلكم العالم دائم الانكماش بات الخيار الأوحد أمام المؤمنين أن يواكبوا غيرهم بالعيش في نفس الكوكب جنباً إلى جنب مع غير المؤمنين؛ مما يحدو بنا أن نعيد النظر في فهم الموحدين الجدد للإسلام؛ فبجلوس الشخص المؤمن في مقهى للإنترنت بمدينة عربية كالقصيم أو الرياض فإنه يتفاعل في نفس العالم مع ملايين من الغرباء عنه بالكلية؛ أي أمر يمكن أن يثير حفيظة البعض أكثر من أن يختلط المؤمنون بغير المؤمنين والرجال بالنساء في غرفة حوار إلكتروني خاصة؛ ورغم ما ينطوي عليه ذلك الحديث من مخاطر فقد أضحى أمر لا يمكن تفاديه.

ولا يمكننا لوم الموحدين الجدد دون غيرهم بتبني عقلية الفكر المنغلق؛ فهناك أيضاً الصينيون والهنود واليهود والأمريكيون، وكلهم يدعي حقاً منفرداً عن الآخرين في القرن الحادي والعشرين. فقد مرت بعض الأحايين التي أخذ كل منهم يفكر في دائرة فلكه القومي المحض بل وفي وطنية عدوانية؛ وكان السؤال الحيوي الذي فرض نفسه على الكثير منهم هو: لمن تكون الغلبة في القرن الحادي والعشرين؟ وفي وضع تسود فيه طنطنة القومية على تصور ” الآخر”، فليس مستغرباً أن تشعر طائفة من المسلمين بعد انهيار “إمبراطورية الشر” أن المعوق الأوحد لقيام دولتهم هم “الأمريكيون الأشرار”؛ وعليه فإن عليهم أن يخططوا لسقوطهم؛ وبينما يبدو وجود هذا الاتجاه نتيجة طبيعية لما يجري في العالم؛ فإنه يضائل من أملنا في المستقبل؛ فلو تصور الملهمون من المسلمين المتدينين – والذين ما زال لديهم تصور ملتبس عن تخويلهم مسئولية قيادة التاريخ حتى نهاية العالم – لو تصور هؤلاء مستقبل عالمنا من منظور الهيمنة، فأين يستطيع المرء أن يجد ملجأ حينئذ؟! لقد جاء الإسلام لتحرير البشرية من كافة أنواع الهيمنة، ولو آل الأمر بالمسلمين أن يكونوا في مواقع الهيمنة بدلاً من “هيمنة الآخر”؛ فإن ذلك سوف يقوض جوهر وجودهم.

لقد حان الوقت أن نبلور رؤية مستقبلية لعالم لا تتاح فيه الفرصة لطائفة بعينها أن تهيمن دون غيرها على مجريات الأمور، بل عالم يتوحد فيه الجميع كأسرة واحدة تعبد الإله الواحد؛ بهذا المنحى المعتدل ولطرح رؤية الإسلام قدماً وبشكل فاعل، بات لزاماً على المسلمين أن يخرجوا من دائرة تقوقعهم التقليدية. وإذا لم ندرك أننا أيضا لدينا رؤوساً تعلو هاماتنا كتلك التي كانت لأسلافنا، وأن وظيفة رؤوسنا لا تكمن في وضع القبعة أو الطربوش عليها؛ فإننا لن نستطيع أن ننحي الغثاء الفكري الذي جعلْنا نجمعه بمحض إرادتنا طوال قرون من الإبحار الفكري السحيق؛ وأما أولئك المولعون باستخدام مسميات نحو: “الفن الإسلامي”،  الفلسفة الإسلامية”، العمارة الإسلامية” إلخ … سوف يكون تحدياً كبيراً لهم أن يقروا أننا كـ “أمة مسلمة” لم نخول بإبداع ما قمنا به فعلاً من تشييد بغداد العباسية العظيمة، أو إسبانيا الإسلامية ذات البهاء؛ فالأمر لا يحتاج سوى أن يتحول المرء للنموذج الذي أصل له الإسلام ليدرك أن روعة الجمال المعماري لتاج محل والعجائب الأخرى للهند المغولية والتي تذكرنا أحيانا بماضينا المجيد ليست سوى انحرافا عن الدرب النبوي الأصيل.

فالعقل التقليدي الذي ينظر إلى الإسلام على أنه “عبق التاريخ” يقر أيضا بأنهأيضاً بأنه “دين سماويسماوي”، ويرى أن الوصف الأخير يجب أن يفهم في تناغم كامل مع المعنى الأول، الأمر الذي يشكل تحدياً هائلاً أمام عودتنا إلى الإسلام القويم. لقد تولدتتولدت في أذهاننا القاصرة تشويشاتتشويشات هائلة عن طبيعة الإسلام ووظيفته؛ فنجد على سبيل المثال أن محاولة إحياء الثقافة العربية أو الثقافةالثقافة الشرقية في الغرب قد أظلتهاأظلتها قداسة دينية؛ فحركات التحرر القومي في مختلف أنحاء العالم يتجشمها المسلمون  كنوع من الجهاد تفرضه عليهم التكاليف الشرعية؛ وحقاً فإن الأمة الإسلامية اليوم هي أسوأ الضحايا على الإطلاق لطغيان بوش وبليرالاستبداديتين.؛ وكذلك فإن الواقع يقول أن أمة دائمة المصاب بجراح جديدة لها الحق في أن تكافح وتقاوم ما ا استطاعت إلى ذلك، ولكن رؤية مستقبلية وتطلعاً لكل ما نصبوا إليهإليه كأتباع لآخر الشرائع السماوية يجب أن تكون أعمق من مجرد عمليات الخلاص الذاتي ، فلا ريب أنّا كنا من انتهكت آدميتهمآدميتهم في خليج جوانتانامو وسجن أبو غريب، ومن أحرقوا أحياء في شوارع جو جارات.  جوجارات؛ إن دمنا هو الدم المسفوك بشكل يومي في فلسطين وبقاع أخرى؛ وكذلك يجب أن لا  ننسى في أقصى لحظات انفعالنا أنناأننا لن ننزل بالآخرينبالآخرين ما فعلوا بنا؛ حاشا لله!. فنحن لا نستطيع أن ننغمس فيفي مثل هذا الانتهاكالانتهاك الآدمي للبشر أو أن نزهق أرواح الأبرياء؛ وهذا هو مصدر قوتنا.

ففي عالم أرسى فيه القادة الدينيون – ومنذ زمن طويل – طريقة تناول أي قضية على من منظور مجتمعي يهدف لحماية مصالح المجتمع  في المقام الأولالأول أكثر مما يعنى بحماية الحقيقة، فإن مناشدة علماء المسلمين وحدهم أن ينظروا إلى ما وراء مصلحة المسلمين أمر قد يدهش الكثيرين؛ وبالرغم من ذلك، فإذا كنا نشعر بالأزمةبالأزمة التي يواجهها الإنسان وإذاالإنسان ونعي مسئولياتنا تجاه ديننا فإننا لا نستطيع أنأن ندع الأيامالأيام تمر تباعاً ونحن قابعين في حصن إسلامنا – أي كوننا مسلمين – على أمل أن يأتي مجيءاليوم الذي سوف يكون فيه كل شيء على ما يرام.شيء على ما يرام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق