الافتتاحية

ماذا نفعل الآن؟

راشد شاز

يمر البيت الإسلامي اليوم بمنعطف خطير. والمسلمون في أنحاء العالم يسألون أنفسهم: هل يجب علينا وضع صياغة جديدة لوضعنا التاريخي، أم سنترك أنفسنا للفناء على هامش التاريخ؟ والعقل المسلم مشوَّش لدرجة تبعث على الفزع إزاء هذا السؤال الحيوي الهام.

وبإمكان الذين هم على وعي بتاريخنا الممتد عبر القرون، أن يوضحوا حقيقة أن الخطر ليس جديدا علينا وإن كان فريدا من نوعه؛ ويمكنهم أيضا أن يخبرونا بأننا قد سبق وأن قاومنا أوضاعًا مأساوية مماثلة عبر تاريخنا الطويل. ومع أننا نواجه أزمة كبرى ربما تكون الخامسة من نوعها في تاريخنا الممتد، يبدو أنه ليس لدينا أية رؤية مستقبلية؛ أما الأزمات الأربعة السابقة فهي: الفتنة الكبرى التي أدت إلى استشهاد ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان، وتدمير ونهب بغداد حاضرة العباسيين، وسقوط غرناطة، ونهاية الخلافة العثمانية. إن التبعات النفسية لما يسمى “الحرب على الإرهاب” واحتلال العراق المباشر، واستعمار أفغانستان، وإخضاع ليبيا وإيران، والاستمرار في إهانة باكستان وغيرها من الشعوب الإسلامية في مواجهتها مع الإمبريالية الأميركية، وتغيير علمائنا ومفكرينا دائمًا لمواقفهم تجاه قضايا ذات أهمية استراتيجية – هذا كله قد عزز الإيمان بأن أزمتنا الفكرية أخطر بكثير مما تبدو للناظرين، وأن فكرنا الديني أكثر تشوشا مما يبدو للعيان. بل الحقيقة هي أننا لا نعرف أين نتوجه من موقفنا الراهن!

لقد ضللنا طريقنا كنتاج منطقي لخروجنا بمحض إرادتنا عن موقع السلطة والتوجيه الذي أسبغه الله تعالى علينا كخير أمة أخرجت للناس. إن الأزمة الأولى في تاريخنا – وهى الفتنة الأهلية التي أدت إلى تضعضع المركز – ألقت بقافلتنا على طريق الأزمات الأبدية. فمقتل الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله تعالى عنه) لم يؤد فقط إلى ضياع السلطة السياسية، بل أدى هذا الحدث الجلل إلى نفي البيئة المكانية للوحي، تلك البيئة التي عاش يتنفس فيها الجيل الأول من المسلمين. ومنذ ذلك الوقت ونحن المسلمون مستمرون في مسيرة تباعدية عن المركز تبعدنا عن النظرة الكلية إزاء الحياة والكون النابعة من خلال الوحي الإلهي. وبالتالي فإن رسالة الإسلام – تلك النظرية الثورية الصارمة لكرامة البشر وحريتهم والتي اجتاحت العالم في وقت من الأوقات – لم تعد جذابة بسبب الصبغة الجديدة للمسلمين التي اصطبغت بها الرسالة الإسلامية. واليوم عندما نحتاج وبشكل أكبر من أي وقت مضي إلى تلك النظرية الثورية الصارمة الساحرة – ناهيك عن القوة السامية للوحي – فى مواجهتنا للقوة التقنية التي تتمتع بها الإمبريالية الغربية المعاصرة نكتشف أن تلك النظرية قد تحولت إلى مجموعة من الطقوس التي لا حياة فيها.

ونحن الذين وكِّل الينا أمر قيادة التاريخ حتى نهاية الزمن، نجد أننا لسنا قادرين حتى على إدراك أن أزمتنا ذات بعد كوني. فالعالَم بدوننا محكوم عليه بالإخفاق لا محالة. ولكن قبل أن نتقدم لنتبوأ مكانتنا القيادية والإرشادية مرة أخرى، نحتاج إلى أن نقوم بترتيب بيتنا من الداخل، أو بعبارة أخرى أن نعيد استكشاف الضوء الرباني المنبعث عن الوحي الذي أنار لنا الطريق يوما ما.

إن حركة الصحوة الإسلامية التي انطلقت بصخب في النصف الثاني من القرن العشرين، وحالة الابتهاج العامة التي غمرت احتفالات الأمة ببدء القرن الخامس عشر الهجري، حملتنا على الوهم بأن الفجر الجديد على وشك البزوغ. كما أن ظهور منتديات إسلامية وحدوية في دار الإسلام قد قوى الاعتقاد بأن “كومنولثـًا” إسلاميًا في المستقبل سوف يضع قافلتنا من جديد على طريق المجد. ولقد ساعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وطرد الجيش الأحمر من أفغانستان وما تبعه من انهيار “إمبراطورية الشر” واستردادنا المعجز لدول آسيا الوسطى المسلمة، بالإضافة إلى بعض العوامل الأخرى، كل ذلك  قد ساعد على ترسيخ هذا الوهم. ووسط غمرة الأحداث السياسية المتلاحقة تناسينا أن نزاهتنا الأيديولوجية قد انحسرت، وأن عودتنا إلى مركز السلطة والإرشاد سيظل مجرد حلمًا ما لم نرمم من بنائنا الأيديولوجي، وما لم  نعد إلى جوهر الوحي.

وحتى الذين رأوا ضرورة إحياء الأمة على أسس دينية، قد تاهوا هم الآخرون في مظاهر خارجية، أو على الأكثر انتهوا إلى تنفيذ رؤية فقهية شاملة مستعارة من زمن غابر. وليس بوسع نموذج “الكومنولث” الأجنبي، أو نموذج “الإسلام الفقهي” أن يقدما البديل للوحي الرباني، الذي وحده يتمتع بإمكانيات تحويل الأمة الى كيان واحد وإلى بنيان مرصوص كطليعة لوحدة البشرية.

إن العقل الفقهي في جوهره مثير للخلاف؛ فيبدو أنه يسعى إلى إخراج قدر أكبر من الناس من حظيرة الإسلام بأكثر مما يجذبهم إليها. إن الإسلام الفقهي – أو ما يمكن وصفه بالفكر الفتوي –  في صورته الكاملة لا يوقف الصحوة الإسلامية فحسب، بل يدفعنا كذلك إلى صطدام مباشر مع غيرنا من الجماعات الدينية والنماذج الحضارية الأخرى. وتبقى المراكز الإسلامية الحديثة العهد في الحواضر الغربية في أحسن أحوالها قلاعًا حصينة للنزاع المذهبي وممثلةً للفرق التي أنشأتها بدلا من أن تمثل رسالةَ الإسلام العالمية. إن الدعوة القرآنية العامة في قوله تعالى:

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء

من أجل التحالف مع الشعوب الأخرى ذات الفكر المماثل، لا تجد لها تأييدا من الذين انغمسوا في الفكر الطائفي.

 لقد وفر لنا وجود المسلمين في الغرب فرصة نادرة للانطلاق “بثورة الوحي” إلي بيوت الغربيين. ولكن ضاعت هذه الفرصةَ الذهبية وسط الإسهاب في المجادلات حول المسائل الفقهية التي تسعى إلى إنشاء قلاع ثقافية للإسلام ذات التوجه السلفي؛ فالعقل الفقهي قد وضعنا في طريق لا خروج لنا منه رغم  توقنا القوي الحالم لإحياء دار الإسلام؛ مما يجعلنا نجد أنفسنا في شرك فجر كاذب.

إنه من السهل اليوم إلصاق أية وصمة بالمسلمين الذين يجدون أنفسهم محاصَرين في فخ الأطماع الاستعمارية لكل من بوش وبلير. ويتساءل العديد منا ممن يلاحظ أن الذين يصارعون من أجل البقاء في جميع أنحاء العالم هم المسلمون وحدهم: هل الإسلام علَمٌ على الفوضى والإرهاب الغبي؟ وحتى أولئك المنهمكون في النضال من أجل البقاء تراودهم شكوك قوية عما إذا كانت هذه الإستراتيجية ستؤدي بهم حقا إلى النظام العالمي العادل الذي هو عنوان رسالة الإسلام. إن العقل الفقهي المتمرس على التفكير في إطار “الأبيض والأسود” وفي ضوء المصطلحات التي اجتذبت الأوساط الاجتماعية في العصر العباسي، قد فشل في استيعاب إشكاليات الوضع الجديد وتأثيراتها واسعة المدى على سيكولوجية المسلمين؛ فهذا العقل لم ينقسم فقط إلى أربع مفاهيم أو اتجاهات متوازية، بل وقف أمام عدد لا يحصى من الروايات المتناقضة لأحداث لا تعدو أن تكون ذات أهمية تاريخية. وإذا لم يعد هذا الفكر الفقهي إلى أصل الوحي الخالص، فسوف يضيف  إلينا مآسٍ جديدة باحتكارهم لفهم الوحي كما حدث من قبل، على أنه الفهم الوحيد الصحيح للوحي.

وإذا كان النزاع السني الشيعي والحروب الدامية بين الأحناف والشافعية قد تسببا في سقوط الإمبراطورية العباسية في الماضي، فإن نزاعنا الداخلي اليوم مصدر إلهام مستمر لأعدائنا، وما ذلك إلا لأنه يتم إعداد علمائنا وفق مصطلحات طائفية صارمة لدرجة أنه يستحيل عليهم تقريبا فهم الهوية العالمية للإسلام إلا في إطار الفرق والطوائف. لقد انتهى بالنسبة إليهم النموذج الإبراهيمي للإسلام الحنيف.

إن عزلتنا لا يمكن أخذها باعتبارها قضية داخلية خاصة بنا؛ وذلك لأنها قد حرفت مسار التاريخ البشري بكامله. وبالتالي فنحن اليوم في أشد الحاجة إلى نقاش صريح ومخلص ودؤوب حول أسباب اضمحلالنا. وبدلا من الاعتماد على حكمة أرواح فانية، أو الاقتباس دون وعي من قول هذا عالم أو ذاك، فقد آن الأوان أن نخضع عقولَنا للنظر مليا في القرآن الكريم بحثا عن هدي جديد لزماننا. وقد يرى البعض هذه الدعوة مقيتة، أو نوعا من الكفر في أن نرى القرآن الكريم بروؤية جديدة دون الاستعانة بعقول الماضي العظيمة.

ولكننا على يقين من أن الذين يدركون الرسالة الأساسية لسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، تلك الرسالة التي ذكرها القرآن صراحة، والقائمة على تحرير العقل الإنساني من الاستعمار وكذلك من كل أسر وأغلال – فكرية كانت أو غير ذلك – سيقدرون هذه الدعوة حق قدرها بكل تأكيد. إن القرآن الكريم لم يسبغ على أية شخص – كائنا مَن كان – حقا حصريا ليفسر وحده كلمةَ الله. بل إن النظرة القرآنية الشاملة للكون والإنسان ترى أن أية محاولة لاحتكار النشاط التفسيري أمر في غاية الكره بل يكاد يكون نوعا من الشرك.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق