رؤى

إعادة بناء الأمة الإسلامية ميراث إبراهيم

راشد شاز

الإسلام ليس هوية يمكن أن تقصرها جماعة ما على نفسها دون غيرها؛ لكنه يعني الخضوع طوعًا وبشكل غير مشروط لله جل وعلى؛ فهو باب مفتوح لكل من يجدون سلوى وعزاءًا في وحدانية الله. هذا النداء للخضوع طوعًا لإرادة الله؛ الذي عبر عنه جميع الأنبياء الحق وأتباعهم المخلصين عبر العصور، يجب أن يتبناه مسلمو عصرنا؛ ولكن هذا لا يعني عدم إعطاء المسلمين الخاضعين في الرسالات السابقة الأخرى دورًا في حياتنا المعاصرة. فإن وجود حركة للدعوة لثورة عالمية؛ لجعل العالم أسرة واحدةً تعبد إلهًا واحدًًا؛ لا يمكن أن توصد الباب أمام المسلمين الذين نجدهم في الرسالات الأخرى.

وأي قراءة موضوعية للقرآن الكريم لا يمكنها إغفال الموضوع المهيمن الذي دعا إليه جميع الأنبياء من إبراهيم إلى محمد أو من قبلهم؛ ألا وهو الدعوة إلى عبادة الله الواحد؛ واعتناق نموذج الحياة الذي يتبعه المسلمون الذين أسلموا وجوههم لله؛ أي المسلمين الحنفاء. ولهذا؛ فليس من قبيل العجب أن يجعل القرآن الإيمان برسل الله جميعًا شرطًا مسبقًا لاكتمال الإيمان؛ فالمؤمنون مطالبون بأن ينظروا إلى الأنبياء على أنهم حاملين لنفس الرسالة الإلهية، وليس على أنهم مؤسسين لأمم معينة:

…..لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٍ۬ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُ ۥ مُسۡلِمُونَ(البقرة: 136)

والأنبياء في الوحي الإلهي يشكلون مجموعة واحدة لا يمكن فصلها وكوكبة من القادة الذين أوحى إليهم الله وأرسلهم لهدية البشرية؛ فلا يمكن أن نفهمهم ورسالاتهم بمعزل عن بعضهم البعض. والقرآن الكريم يجعل ذلك جزءًا لا يتجزأ من عقيدة المسلم فعليه أن يؤمن بجميع الأنبياء السابقين ورسالاتهم؛ ولقد أخبرنا أن ما تبقى من الأمم السابقة هم حلفاؤنا بالفطرة. ولما كان محمد r لم يأت برسالة جديدة ولكنه جاء ليحي دين إبراهيم “عليه السلام”؛ فقد حث القرآن الكريم المؤمنين على أن ينظروا إلى رسالة محمد r على أنها نقطة التقاء لجميع الرسالات السابقة.

إن محمدًا r لم يؤسس أمةً جديدةً؛ ولكنه بدلاً من ذلك، وبعيدًا عن الهوية أو الاسم الجديد، فإن حديثي العهد بالإسلام كان عليهم أن ينأوا عن  أي هوية دينية زائفة – سواءً أكانت يهودية أو مسيحية – عليهم فقط أن يكونوا مسلمين كما كان المسلمون في عهد رسول الله r. إن جميع أولئك الذين يزعمون أنهم الورثة الشرعيون لميراث إبراهيم من بين اليهود والنصارى أو أولئك المتشبثين في استمالة الناس إلى جانبهم واعتناق ديانتهم، قد أخبروا بصراحة وجلاء أنه لا خير في هذه الشعارات الزائفة؛ فإبراهيم لم يكن يهوديًا أو مسيحيًا، بل كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين؛ ولذلك فإن جميع من يريد لإله واحد يجب أن يتبع نهجه (أل عمران: 135). فلو أن محمد r وأتباعه جاءوا بهوية جديدة تخالف اليهود والنصارى، لأضعفت هذه الحركة من مكانته كنبي للعالمين، وكرد فعل معارض لأولئك الذين يدعون إلى اعتناق اليهودية أو النصرانية؛

……ڪُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰ….. (البقرة: 135)

فإن على حديثي العهد بالإسلام أن يلتزموا بديانة إبراهيم:

……..دِينً۬ا قِيَمً۬ا مِّلَّةَ إِبۡرَٲهِيمَ حَنِيفً۬ا‌ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ(الأنعام: 161)

وعلى عكس ما يدعوا إليه اليهود والنصارى الذين يضفون كثيرًا من الأهمية على طوائفهم الدينية؛ على حديثي العهد بالإسلام أن يعبدوا الله في حياتهم دون إتباع طوائف معينة. والقرآن عندما يحث الناس على أن يكونوا ربانين

…..كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّـۧنَ….(آل عمران: 79)

أي أن يكونوا أمةً تسلم أمرها كله لله أو أن تأخذ صبغة الله؛ هدفه أن يقنع الناس بنفس النقطة وهي عبادة الله الواحد، فلم يأت نبي على مر التاريخ لإرساء قواعد ملة خاصة به أو دعا الناس إلى عبادته نفسه. والقرآن الكريم يخبرنا، مرةً بعد مرة، أن جميع الأنبياء بالرغم من اختلاف أمكانهم وأزمنتهم يدعون إلى نفس الرسالة (آل عمران: 68). ولأن محمد r يطرح جوهر الرسالة الإبراهيمية؛ فأين يجد المرء قدوةً أخرى يتبعها؟ (آل عمران: 68).

ولهذا فإن محمدًا r عندما يذكر في القرآن؛ يذكر على أنه ليس رائدًا لديانةً جديدة؛ ولكنه رسول للعالمين؛ بشيرًا أو نذيرًا ورحمةً للعالمين. وفي الفترة المتقدمة من الإسلام لم يكد المرء يسمع حتى بمصطلح “الأمة المحمدية” ونفس الحال في فترات الضعف في الرسالات السابقة حيث لم تكن الهوية الدينية مثل اليهودية والنصرانية أو البوذية معروفةً. وهذه الهوية المبنية على أساس الشخصية قد استغرقت قرونًا وآجالاً لكي تتطور إلى ما هي عليه الآن، ولقد كرس كل الأنبياء جهودهم كافةً لكي يجعلوا الناس تعبد إلهًا واحدًا؛ لكي يقيموا مجتمعًا عادلاً يعبد الله وحده لا شريك له في ملكه، ويعملوا على جمع الناس تحت عباءة التوحيد على اعتبار أنهم عباد لإله واحد. والنبي ليس حكيمًا عاديًا؛ لأن الله أعطاه الكتاب والحكمة، وليس من المتوقع منه أن ينهمك في صياغة مبادئ العبادة أو أن يدعو الناس إلى عبادته، لأن الله اختاره لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده وأن لا يقدموا أنفسهم إلا على أنهم عباد الله

و كما أٌخبرنا فإنه على المجتمعات حديثة العهد بالإسلام، مثلهم مثل كل المسلمين في جميع الأزمنة، أن يؤمنوا بجميع الأنبياء كشرط أساسي لصحة إيمانهم؛ بل ويجب عليهم أن لا يفرقوا بين أحد من رسل الله. (آل عمران: 84)

إن إعادة إحياء مفهوم الأمة العالمية التي تعبد إلهًا واحدًا ليست رؤية عادية؛ لأن النداء الجماعي في قوله تعالى “كونوا ربانيين” أو الدعوة العامة لعبادة الله قد خلقت قدرًا هائلاً من القوة والنشوة. ومادام المؤمنون لا يزالون مدركين لهويتهم الربانية فهم لا يرون أنفسهم إلا على أنهم نقطة التقاء للرسالات الكبرى السابقة؛ فهم باب مفتوح تلوذ به جميع الأنفس الباحثة عن العزاء والسلوى؛ وهذا التأكيد غير العادي على هوية المسلمين الذين يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئًا يعطي حديثي العهد بالإسلام جانبًا أيدولوجيا سرعان ما يبث فيهم قوة لا تقدر. وبالرغم من أن نظرة العرب كانت لها جذور متأصلة في التقاليد العربية؛ إلا أن تغير هذه النظرة كان لها تأثيرًا كبير عليهم حتى أنهم يظهرون على أنهم مجموعة من البشر توحدهم عبادة إله واحد حيثما ذهبوا وبذلك أصبحت جميع الهويات الجغرافية واللغوية والثقافية والعرقية غير ذات معنى بالنسبة لهم. وبانقضاء حقبة المسلمين الأوائل، ظهر لنا جليًا وبالتدريج كما لو أن الثقافة العربية هي الصبغة الطبيعية للإسلام؛ بل إن البعض اعتبر أن عظمة الإمبراطورية العباسية هي الوجهة المنطقية للحركة الربانية. وانحياز العرب أو العصبية قد أصبحت حجر الأساس للمسلمين الذين جاؤوا فيما بعد، يحاكونه ويقلدونه؛ بل أن خروج الموالي عن الكيان الأخوي الجامع للمسلمين وتحولهم إلى الوصاية الاجتماعية قد جعلنا نعتقد أنه يجب على غير العرب من الآن فصاعدًا أن يقصروا أنفسهم على حدود الحركة الإسلامية وليس في جوهرها. إن الإمبراطورية التي تم تأسيسها على العصبية العربية التي تزعم تفوق بعض العشائر العربية قد ترك حيزًا ضيقًا لباقي الرسالات الأخرى لتنضم إلى الإسلام. إن فكرة عبادة الله وحده التي تظلل الجميع قد تحولت الآن إلى فكرة المجتمع الذي يتركز حول شخصية النبي فقط. وكانت هذه حالةً صريحةً في منح ولاء لمن لا يستحقه أو ما أطلق عليه القران الكريم كلمة “غلو”. إن فكرة الأمة الجديدة التي تدور حول فكرة النبي العربي؛ قد قللت من عدد الداخلين في زمرة الإسلام إلى درجة اعتبار ذلك كما لو كانت حالة مجتمع عادي آخر؛ وأصبح المسلمون مثلهم مثل اليهود والمسيحيين؛ لا يزيدون عن كونهم جزءًا آخر من شريعة إبراهيم. إن انغلاق العقل المسلم بهذه لطريقة لم يحول المسلمين فحسب عن الإسلام الصحيح ولكن غير أيضًا العالم بأكمله من حولهم.

إن الأمة الإسلامية تسير الآن في عصر تدهور مستمر وعلماؤها في حالة من النفي العقلي؛ ومع ذلك فإن العصر الذهبي لبغداد العباسية أو حضارة الأندلس المسلمة المزدهرة ومغال الهند العظيمة أو الشجاعة العسكرية للإمبراطورية العثمانية قد خلق بعض الوهم والخداع عن حالتنا المتدهورة؛ وهكذا هزمت الأمة الإسلامية – الأمة المحمدية –  الإسلام؛ فإن ظهور فكرة الإسلام الطائفي أو الأمة المحمدية قد مهد السبيل – في الحقيقة – إلى موت الأمة المبنية على الإيديولوجية؛ ذلك لأن صبغة الله لم تعد هي الهوية الوحيدة للمسلمين. ولأن المسلمين أجبروا أنفسهم على العيش في سجن نفسي من صنع أنفسهم، فإنهم جعلوا فكرة الأمة هي الفكرة الأساسية لمحور تفكيرهم واهتمامهم؛ وليست دافعًا للعبادة. إن مفهوم طائفية العبادة قد تشعب أيضًا إلى عقائد فرعية وقد وجد حديثوا العهد بالإسلام هويات جديدة يمكنهم أن يتشبثوا بها. إن العداء الداخلي بين الشيعة والسنة وبين الحنفية والشافعية؛ لم يؤد فقط إلى سقوط الإمبراطورية المحمدية؛ ولكنه قد أضفى كثيرًا من اللغط الأيدولوجي؛ الأمر الذي جعل من المستحيل أن نحدد من هو الممثل الحقيقي للإسلام، هذا الأمر، الذي انحرف بالبيت الإسلامي، كان شعورًا عامًا. أما أولئك الذين جاءوا لإصلاح الموقف فقد ركزوا بشكل رئيسي على إعادة توجيه الأمة المحمدية نفسها. وما كان يرى على أنه سبب اعتلال الأمة الإسلامية؛ أصبح يرى الآن على أنه السبيل إلى علاجها.

لقد استخدم القرآن الكريم مصطلح “الأمة المسلمة” بدلا من اطلاق لفظ الأمة المحمدية التي تنبع نتيجة للتشبث ببعض الأفكار العقائدية وذلك كما يتضح من دعوة إبراهيم الخالدة لربه في القرآن الكريم حينما قال:

……عَلَيۡنَآ‌ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (سورة البقرة 128)

وهذا ماوصى به إبراهيم بنيه وكذلك يعقوب عليهما السلام:

……إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ(سورة البقرة 132)

فالمفهوم القرآني للأمة المسلمة يشمل المسلمين كافة بغض النظر عن الاختلافات الجغرافية أوالخلفيات التاريخية أو الحضارية، وهذا المفهوم هو الكوكب الوضاء الذي ينير الطريق لجميع الأنبياء و أتباعهم المخلصين، وبالطبع يضم المفهوم الاشمل للامة المسلمة اهل الكهف و نماذج يحتذى بها للمرأة المسلمة مثل السيدة مريم أم السيد المسيح و زوجة فرعون و سائر الامم المؤمنة التي ذكرها القرآن أو لم يذكر. على الرغم مما ذكره القرآن جليا، فمازال هناك من يصرون على ترديد مقولة أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً ؛ و القرآن يتحدى مثل هذه الأفكار المغلوطة صراحة في قول الله تعالى:

….قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُ‌…(البقرة: 140)

فالادعاء بأن إبراهيم يهودياً أو القول بأن محمد هو مؤسس الأمة المحمدية يعتبر بهتاناً وإثماً عظيماً. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

…وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُ ۥ مِنَ ٱللَّهِ‌…. (البقرة 140)

هل يمتلك البعض ممن يصرون على إن الأمة المحمدية الحالية لا تضم إلا مجموع أتباع الأمة الإسلامية التي تعيش تحت لواء الإسلام – الشجاعة الكافية لاستثناء إبراهيم وذريته وأسيا زوجة فرعون و مريم من حظيرة الإسلام ؟ فالنجاة تكون حق قاصر على المسلمين فقط، حيث انه لا ينبغي على من اسلم وجهه لله عز وجل و يتبع الصراط المستقيم ان يساوره القلق بشأن النجاة ؛ فهو حق ممنوح لجميع افراد الأمة المسلمة التي تؤمن بإله واحد باعتبارها المفهوم الاشمل للأمة الإسلامية . وعلى العكس، يتم حرمان من يرغب عن إتباع ملة إبراهيم  حنيفا من ذلك الحق  على الرغم من انتماءه إلى بيئة مسلمة أو نشأته في كنف أسرة المسلمين حيث يقول الله عز وجل:

لَقَدۡ ڪَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ‌ۖ…(سُوۡرَةُ المَائدة 5:72)

كما يقول الله تعالى أيضا:

….لَّقَدۡ ڪَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍ۬‌ۘ … (المائدة 73)

تعتبر مثل هذه الآيات الكريمة وما شابهها بمثابة دلالة واضحة على ان مجرد الانتماء إلى زمرة المسلمين اوحتى وجود علاقة دم معهم لا يشكل قاعدة  كافية للنجاة. ولذلك كان اليهود والنصارى يدعون أنهم أبناء الله المقربين وعباده المختارين الذين طردوا ظلما من رحمته:

……وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُ… (المائدة 18)

واذا تأملنا سورة الأنبياء نجد التأكيد على ان اللفظ القرآني “الأمة المسلمة” يضم بصورة اشمل بيت المسلمين:

إِنَّ هَـٰذِهِۦۤ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةً۬ وَٲحِدَةً۬ وَأَنَا۟ رَبُّڪُمۡ فَٱعۡبُدُونِ(الانبياء 92)

إنها سلسلة طويلة من الأنبياء والرسل منذ سيدنا إبراهيم إلى سيدنا لوط مرورا بسيدنا سليمان و يعقوب و إسماعيل و إدريس و ذو الكفل و ذو النون و ذكريا ويحيى و السيدة مريم. في حقيقة الأمر، إن كل هؤلاء ينتمون إلى جماعة واحدة على الرغم من محاولة الاجيال اللاحقة تقسيمهم إلى فئات مختلفة:

وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ‌ۖ ڪُلٌّ إِلَيۡنَا رَٲجِعُونَ (الانبياء 93)

وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تؤكد على ان جميع من يخضع لعبادة الله امة واحدة وذلك بالطبع يناقض كلام معتنقي الفكر الطائفي او ممن يحتمون وراء ستار العبادة الطائفية. والقرآن يقر بأن هؤلاء الأشخاص ينتمون إلى امة واحدة:

ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ‌ۚ(سُوۡرَةُ البَقَرَة 1:213)

ويمكن تفسير ذلك بشكل أفضل من خلال الآية الكريمة:

إِنَّ إِبۡرَٲهِيمَ كَانَ أُمَّةً۬ قَانِتً۬ا لِّلَّهِ حَنِيفً۬ا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ (النحل 120)

وإبراهيم نفسه يعتبر نبراسًا لجميع المسلمين في كل العصور والازمان. و من المستحيل الطعن في اسلام إبراهيم لله حيث انه لم يقم بنسج عقيدة من وحي خياله ولم يقم بتشكيل العقائد المسيحية او اليهودية؛ فأتباع ملة إبراهيم هم بلا شك جزء لا يتجزأ من الأمة المسلمة بمفهومها الاشمل.

وقد ظلت هذه الرؤية االشاملة للامة المسلمة قائمة حتى في عصور ضعف الحكم الإسلامي، وقد ظل هذا المفهوم الاشمل ثابتاً حتى في اثناء فترات الحروب الضارية و النضال الشرس عندما كان على المسلمين مجابهة احزاب اليهود والنصارى. وقد حذرنا القرأن مرات عديدة من الوقوع في شرك التعميم فهناك الكثير من أهل الكتاب الذين مازالوا متمسكين بالحقيقة

وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ۬ يَہۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ(الاعراف 159)

حيث نجد من بين أهل الكتاب أناس يتسمون بالبر والتقوى لله ؛ هؤلاء الذين يقومون ليلهم لتلاوة كلام الله ، كما انهم يسجدون لله في خشوع  كما قال الله في سورة ال عمران:

لَيۡسُواْ سَوَآءً۬‌ۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ أُمَّةٌ۬ قَآٮِٕمَةٌ۬ يَتۡلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ (ال عمران 113)

واذا كانت هوية الجماعة لا تعتبر سببا للنجاة فهي ليست ايضا مبررا للادانة. فهناك أناس يعيشون بينكم ممن يخافون الله فهؤلاء يحق عليهم قول الله في كتابه الكريم:

إِنَّ أَڪۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَٮٰكُمۡ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ۬ (الحجرات 13)

في ذلك اليوم- اليوم الاخر- سوف تتحمل كل نفس مسئولية اعمالها فقط:

ومثل هذه الآيات تكون بمثابة إشارات كافية إلى حقيقة أن المسلمين لله يمثلون امة واحدة  وهم الذين ينعم الله عليهم من فضله:

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأَخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحً۬ا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡہِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (البقرة 62)

وتوسع هذه الآية الكريمة دائرة الناجين من النار لتشمل أتباع الأنبياء الآخرين وأصحاب الرسالات السماوية الأخرى لذلك تعتبر هذه الآية لغزًا طالما حير الكثير من علماء المسلمين والفقهاء وكانت سببا لنشوب العديد من الخلافات التي لا يمكن حلها؛ وفي الوقت الذي يؤمن فيه أبو حامد الغزالي وراشد رازا والطبطبائي بفكرة ان رحمة الله تتسع لتشمل المسلمين من أصحاب الرسالات السماوية الأخرى، فإن أغلبية علماء المسلمين يرفضون هذه الفكرة ويعتبرونها دليلاً على الكفر حيث يتساؤلون في سخرية عن موقع سيدنا محمد r!

وكلما زاد عدد المسلمين الذين ينظرون لسيدنا محمد على أنه مؤسس امة جديدة، زادت الصعوبة بالنسبة لهم في رؤيته نقطة التقاء لاتباع ملة إبراهيم. وهم بذلك يتجاهلون حقيقة أن الإسلام، وهو دين الله المختار الذي قام كافة الأنبياء المخلصين بنشره عبر التاريخ يركز في الأساس على عبادة الله جل وعلى، ونجد أن القديس أوغسطس هو صاحب الفكرة اللاهوتية بأنه لا خلاص بدون “يسوع”. ففي واقع الامر نجد أن هؤلاء الذين يضعون سيدنا محمد في مكانة مشابهة أو ممن يبالغون في التواكل على شفاعته يعدون مذنبون لأنهم بذلك قد اتبعوا اتجاه أوغسطس.

وعلى النقيض من فكرة مسيحية أوغسطس التي تؤمن بإن الخلاص هو حق قاصر فقط على المسيحين نجد ان القرآن يحذرالانسان من اصدار مثل هذه الافتراءات في هذا الموضوع بالغ الدقة، بل يجب علينا ان نبقى صامتين ليس فقط بخصوص أهل الكتاب الذين نعتبرهم حلفاءنا الطبيعين ولكن ايضا بالنسبة لهؤلاء المذنبين بتهمة الكفر؛ فهذا يعتبر حق من حقوق الله تعالى حيث انه يقول في كتابه العزيز:

…..إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَـٰمَةِ‌ۚ….(الحج 17)

وكما خلق الله الناس ينتمون الى شعوبا وقبائل متعددة ليتعارفوا فيما بينهم كما يقول في كتابه العزيز:

يَـٰٓأَيُّہَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ۬ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبً۬ا وَقَبَآٮِٕلَ لِتَعَارَفُوٓاْ‌ۚ إِنَّ أَڪۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَٮٰكُمۡ‌ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ۬ (الحجرات 13)

نجد ان حكمة الله تقتضي ان ينتمي عباده الى خلفيات وهويات مختلفة:

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَڪُمۡ أُمَّةً۬ وَٲحِدَةً۬ وَلَـٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِى مَآ ءَاتَٮٰكُمۡ‌ۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٲتِ‌ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُڪُمۡ جَمِيعً۬ا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ  (المائدة 48)

اذا وجد المسلمون لله الواحد انفسهم يسلكون مسالك شتى في سبيل طاعة الله لا يجب ان يساورهم القلق بشأن ذلك؛ والقرآن يشهد على حقيقة أن التوراة والانجيل ما هي الا كتب سماوية أتت من نفس المصدر قد يجد فيها المرء هداية ورشاد. والذين يدعون انفسهم من ورثة الانبياء لا يجب ان ينغمسوا في خلافتهم لدرجة تجعلهم يقررون من هم أهل النار ومن الفائزين بالنجاة منها. عوضا عن ذلك، يجب ان نقوم بمجاهدة أنفسنا لنستبق الخيرات؛ حيث إن الله تعالى هو وحده هدف جميع البشر حيث إنه هو وحده القادر على أن يدلنا على حقيقة الأمور التي تكون محل خلاف بيننا.

لم يتعرض المسلمون الاوائل لمناقشة مثل هذه القضايا على الرغم من إدراكهم الكامل للمكانة المتفردة التي يتبؤها محمد r في التاريخ ، ولكنهم على العكس اتخذوا من اتباع الرسالات السماوية السابقة أنصارا طبيعيين لهم ومن الممكن أن يجمعهم منهج حياة مشترك

قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ ڪَلِمَةٍ۬ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـًٔ۬ا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابً۬ا مِّن دُونِ ٱللَّهِ‌ۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ(آل عمران 64)

وبإعتبارهم يلعبون دوراً قيادياً دائمًا، فقد ضرب المسلمون الأوائل أروع الامثلة في التسامح لتقبلهم دخول الكثيرين من اتباع الرسالات السماوية السابقة إلى حظيرة الإسلام. فالحركة الإسلامية الحديثة كانت تفتح الباب على مصرعيه لدخول كل من يريد التسابق في فعل الخيرات، وعلى الرغم من ذلك، كان يتم دائما تذكير المتعصبين بالفكر الطائفي أو هؤلاء الذين يظهرون اهتمامًا مفرطًا لهويتهم اليهودية أو المسيحية، بأنه لن يجازيهم الله خيرًا عن أفعالهم إلا إذا التزموا بتعاليم التوراة الصحيحة:

قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَىۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَٮٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ‌ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرً۬ا مِّنۡہُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَـٰنً۬ا وَكُفۡرً۬ا‌ۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَـٰفِرِينَ(المائدة 68)

وبالرغم من ادعائهم بأنهم ممثلين للعقائد اليهودية و المسيحية، إلا أنهم قد أضفوا على أنفسهم بعض صفات الألوهية وانغمسوا في تطبيق فكرة طائفية العبادة. ومثل هؤلاء الأشخاص من أصحاب العقول المنغلقة لا يمكن أن نتوقع منهم أي خير، ومن الأفضل ألا نتخذهم أولياء من دون الله كما قال الله في كتابه العزيز:

يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَہُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَ‌ۘ…. (المائدة51)

ولا ينبغي علينا التعميم في تطبيق مثل هذه الاحكام. فالله تعالى يذكرنا في القرآن الكريم:

لَيۡسُواْ سَوَآءً۬‌ۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ أُمَّةٌ۬ قَآٮِٕمَةٌ۬ يَتۡلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ(أل عمران 113)

وبما أن المسلمين الأوائل قد اعتبروا أهل الكتاب هو أنصارهم الطبيعيين فلم يجدوا حرجا في مخالطتهم والتعامل معهم في إطار المجتمع وقد جعل القرآن طعامهم حلالاً للمسلمين. ففي ظل مجتمع موحد بالله وقائم على أساس التقوى والمكانة السامية للدعوة لأن نكون ربانيين، ما كان يستطيع أحد أن يتصور أنه سيأتي اليوم الذي يصيب المسلمين انفسهم ما أصاب أصحاب الرسالات السابقة لدرجة تجعل من الصعب اعتبار أنفسهم حاملي الرسالة الربانية، بل الأكثر من ذلك أنهم اتخذوا من كينونتهم المسلمة مجرد هوية ثقافية أكثر من كونها خضوع مطلق خالص لوجه الله تعالى. وللاسف ، فقد أسهمت بعض العوامل التاريخية والثورات السياسية في تفاقم هذه الكارثة التي حلت بالمسلمين؛ وبالتدريج، بدأت الهوية القومية الإسلامية في احتلال الصدارة بدلاً من الهوية الربانية، وبالتالي أدى ذلك إلى انغلاق العقل المسلم، وبعد ذلك وجد المسلمون أنفسهم محاطين بخضم من النصوص التاريخية المشكوك في صحتها والأحاديث غير الصحيحة التي عليهم الاعتماد عليها في تشكيل الهوية المسلمة الجديدة للقرون التالية. وقد أدى تحول الأمة التي من المفترض انها تحمل رسالة التنوير للعالم كافة حتى قيام الساعة -من أمة مسلمة إلى أمة محمدية- إلى انبثاق مجموعة مستحدثة من الاراء الطائفية حول مفهوم الأمة ورسولها، وقد سار المسلمون الحاليون على نفس نهج أصحاب الرسالات السماوية السابقة حينما بالغوا في التواكل على كونهم خير أمة أخرجت للناس، كما بالغوا في الاعتماد على فكرة أن نبيهم أعلى الأنبياء مقامًا. وباعتبارهم حاملي القرآن الكريم، فقد رفض المسلمون من قبل تقبل الادعاء غير المنطقي الذي ادعاه اليهود بأنهم لن تمسهم النار سوى أيامًا معدودات وأن الجنة سوف تكون مثواهم الخالد بغض النظر عما اقترفوه من ذنوب، ولكن في واقع الامر فقد قام المسلمون الان بتكرار نفس الاقاويل حول أنفسهم.

ولقد تواترت الروايات التي شكلت العقلية الإسلامية حول الامتياز الذي خص به الله عز وجل نبيه محمد r عن سائر الأنبياء في الشفاعة لامته للنجاة يوم القيامة. في ذلك اليوم الموعود الذي لن يستطيع أي نبي من الأنبياء السابقين بما فيهم إبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء الأخرين طلب الشفاعة ولو لفرد واحد، نجد أن محمد r من خلال ذلك الامتياز الذي منحه الله إياه يرفع راية الحمد لله ويمكنه عندئذ أن يشفع لأمته بأسرة لدخول الجنة. كما توحي بعض الأحاديث التي تروي دخول المسلمين جميعا الجنة بشعور عام بأن أمة محمد r جمعاء سوف تدخل الجنة بنفس الطريقة التي سيدخل بها أنبياء بني إسرائيل. إن تصور وجود إله ظالم ونبي غير عادل على حد سواء لا يدع أمام المسلمين خيارًا آخر سوى الاحتماء نفسيا داخل قوقعة من صنع أيديهم، الأمر الذي يعد خطأ جسيماً. وقد أدت فكرة تفرد محمد r وتميزه عن الأنبياء السابقين إلى جعل البعض يصورونه على أنه بطل طائفة دينية معينة، فهؤلاء ممن يظنون أنهم عندما يصورونه كبطل عظيم للأمة المحمدية يقومون بالمبالغة في الثناء عليه كانوا في حقيقة الامر يمطرونه بوابل من أشد وأسوأ أنواع الإهانات.

نبي العالمين العظيم الذي وصفه القران بأنه رحمة للعالمين- وكما اخبرنا المفترون،- أنه عندما واتته المنية لم يكن قلقا سوى على أمته، فعلى فراش الموت ظل يردد أمتي أمتي ، كما انه في يوم القيامة – كما روت الأحاديث- سوف  يحسن استخدام حق الشفاعة الذي منحه الله إياه لصالح امته. فإذا تم اعتبار النبي r أنه شخص يعمل في سبيل تحقيق الخير للأمة المحمدية فقط، فكيف يمكن توقع الخير من أتباعه الذين من المفترض ان يحملوا رسالة خير للبشر أجمعين من بعده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق