Slider Postالمشاركات الرائدةمارس 2013

إعادة النظر في الاجتهاد

نعلق نحن المسلمون جميع أمالنا منذ زمن مديد على إحياء الاجتهاد، فهناك شعور شائع بأنه إذا ما تم تجديد الاجتهاد أو عملية إعادة تفسير النص التي توقفت منذ سقوط بغداد عام 1258، يمكن للأمة أن تتخلص من أزمتها الراهنة، فالدعوة إلی توسعة أبواب الاجتهاد من جديد ظلت نداء التجميع الذي دار حوله نشاط الأمة الفكري بأسره على مدار السنين الثلاثمائة المنصرمة. إنها لقائمة مؤثرة تلك التي تمتد من ولي الله في دلهي ونظيره في شبة الجزيرة العربية محمد بن عبد الوهاب إلي جمال الدين الأفغاني وتلامذته المصريين ووصولاً إلى محمد إقبال، غير أن باب الاجتهاد مازال مغلقاً ولا يلوح في الأفق حدوث طفرة فكرية ذات قيمة.
إن الاجتهاد مفهوم فقهي، ويرجع أساساً الاعتقاد بأن تجديد الاجتهاد يمكنه تخليصنا من عللنا إلي الهواجس التي تنتابنا حيال طبيعة الأزمة والتي هي في جوهرها أزمة فكرية، ونحن حتى الآن نتجاهل ببساطة حقيقة أن الشكل التقليدي للاجتهاد الذي نضج بالدعوة لإحيائه من أجل الوصول إلي فكر جديد في الإسلام إنما هو في الواقع امتداد لذات العقلية الفقهية المغلقة حيث إنها تطالب بأن يكون أي فكر جديد على وفاق مع النتائج التي استنبطها أسلافنا.
ولنتكلم أكثر تفصيلاً، لقد انقضت قرون عديدة بعد أن أرسى واصل بن عطاء كبير المعتزلة المنهج العقلي حيث وضع ثلاثة محاور بجانب الوحي لتكون أدوات البحث الفكري الأساسية، فلم يكن القرآن في بحث واصل عن الحقيقة المرجع النهائي بل كان واحداً من أربعة أركان، مضافًا على الثلاثة الأخرى ألا وهي الحديث والإجماع والقياس، وبالتالي يكون الاجتهاد الواقع تحت فئة القياس الأعم بطريقة ما عنصراً جوهرياً من الرؤية الكونية التقليدية. وإذا كان المفسرون الجدد للإسلام قد فشلوا في الماضي في طرح فكر جديد، فإن هذا يرجع في الأساس إلي أنهم اعتبروا قواعد الفقه الأربعة حقيقة مسلمة ومن ثم لم يجرؤا على تحدي هذا القانون، واتخذت الإشكاليات المنهجية التي واجهتهم اعتبارين، أولهما: أن الأعراف أو المعلومات الإضافية والتي امتدت على التشريع الفقهي لقرون باتت حصناً منيعاً يحيط بالوحي، وثانيهما: أن ترقية الحديث والإجماع والقياس إلي درجة القرآن أدى إلي إضفاء هالة من القدسية حول المنهج الفقهي الذي كان بالأساس بناءاً عقلياً بشرياً للزمن. وبما أن أصول الفقه الأربعة كان ينظر إليها كحقيقة مسلمة، لم يتعب أحد نفسه قط بالاعتراض على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الفكر الفقهي. وقد تشكل الفكر الإسلامي التقليدي، الذي يعد الاجتهاد جزءاً منه، عبر قرون من الزمان؛ ولم تكن مبادئ الفقه الأربعة منفردة هي التي شكلته بل انصهرت فيها أفكار أخرى من مصادر متباينة.
ومن البديهي أن الإسلام التقليدي مزيج من رسالة وتاريخ، وما انفكت رسالة الإسلام العالمية موجودة بين دفتي المصحف، غير أنه لم يعد المصدر الوحيد، بل أصبح لدينا كتب كثيرة للفقه، ومصنفات حول التصوف، وشروح شكلت رؤيتنا للإسلام وضبطتها. يجب على الاجتهاد، وفقًا للفهم التقليدي، العمل في حدود ما تم تشريعه عبر التاريخ، ولا غرو حينئذ أن تكون فكرة المجتهد المطلق فكرة مستنكرة بشدة لمؤيدي الاجتهاد.
كذلك أيضا أفسدت الفتنة تاريخ الإسلام المبكر الذي نعظمه بوصفه عصر السلف الصالح؛ فقد وقعت حروب الردة ومقتل عثمان وموقعة الجمل وصفين في عهد الجيل الأول من المسلمين، كما عاش مؤسسو الدولتين الأموية والعباسية والذين بدلوا أصول الحكم الإسلامي في نفس الفترة. وجعلنا المؤرخون نعتقد أنه على الرغم من تغير الحكم الإسلامي، إلا أن الدولتين كانتا تقيمان الرسالة الإسلامية، فقد كانوا يخشون من احتمال أن يصور أي تقييم نقدي للمجتمع الإسلامي الأول الإسلام أنه مجرد ظاهرة قصيرة العمر، ولهذا السبب قدموا الأمويين والعباسين والفاطميين والمغول الكبار في الهند والأتراك العثمانيين على أنهم حراس رسالة الإسلام، ونتج عن هذا معضلات منهجية خطيرة أمام المؤرخين المسلمين إذ أنهم اعتبروا أن من واجبهم الديني أن يصوروا المسلمين الأوائل كأناس من طراز فريد بل وكملائكة؛ ولو قام المؤرخون المسلمون بمهمتهم على الوجه الأكمل، لكان من الأسهل علينا أن ندرك أن لكل جيل من المؤمنين نقاط قوة ونقاط ضعف وأن المقصد من البعثة النبوية هو خلق مجتمع من البشر وليس من الملائكة، فقط كان المسلمون الأوائل الذين نثني عليهم بقولنا السلف الصالح بشراُ أمثلنا، وإذا نظرنا إليهم على أنهم بشر، ربما أمكننا إدراك كيف فهموا المراد الإلهي في إطار بيئتهم الخاصة بهم، وربما لم تبد عيوبهم لنا حينئذٍ انحرافات فكرية وسنكون في وضع يسمح لنا بتصحيح أخطائهم في ضوء الوحي. وباختصار، يمكننا المطالبة بنفس الشيء حيال القرآن كما فعل السلف الصالح لكن لسوء الحظ لم يعد ذلك ممكناً للعقلية التقليدية حيث إن التاريخ نفسه قد خضع للتشريع؛ يطالبنا الإسلامي التاريخي الذي شكل العقيدة الإسلامية التقليدية بالإقرار بحمل تاريخي ممتلئ بجانب الرسالة النبوية، فأصبح الإقرار بأن الخلفاء الأربعة راشدون، وقبول مذاهب الفقه الأربعة كجزء من المراد الإلهي، وقبول اثنا عشر إمامًا أو سبعة أئمة عند الشيعة تعبيرًا عن العقيدة السليمة، ولم يترك لنا التأريخ من اختيار لتعديل رؤيتنا للعقيدة السليمة سوى في القليل النادر، وأحد الأمثلة الساطعة على ذلك حذف خلافة عبد الله بن الزبير من كتب التاريخ المعترف بها وهو كان قد حكم قطاعاً عظيماً من الدولة الإسلامية لما يقرب من عقد من الزمان وكان يتمتع بشرعية سياسية أكبر من تلك التي كانت للخليفة الأموي عبد الملك؛ لذا فإن أي إعادة نظر في النطاق المألوف يمكن أن يكون مهلكاً.
كان كذلك لقواعد واصل الأربعة التي ساهمت في تشكيل العقيدة التقليدية سياق اجتماعي. اشتهر واصل بالاعتزال، أو جعل العقل المرجعية – وهو نتاج نموذجي لعصر أفسدت فيه الفلسفة والمنطق اليونانيين العقل المسلم، فقد تمخضت مناظرات عقدية في أمور بالغة الدقة حول العقيدة الإسلامية عن فرق متباينة مثل المرجئة، والجبرية، والقدرية، والمعتزلة، وغيرها. حتى القرآن الذي هو أساس الوحي لم يسلم من تلك المناقشات؛ فهل القرآن مخلوق أو قديم؟ وكيف يتم تحويل مراد الله إلي لغة إنسانية؟ وما هي العلاقة بين كلمة الله وبين كلمات الله المستخدمة في السياق المسيحي؟ فلم تكن تلك التساؤلات سوى معوقاً لسيادة القرآن على مصادر العلم الأخرى. يقابل المرء في رؤية واصل الكونية، ربما للوهلة الأولى، عقلياً مسلماً يرى أن الحقيقة يمكن الوصول إليها لا بالقرآن وحده، بل بالسنة والإجماع والقياس كذلك، وسرعان ما ذاعت مبادئ واصل الأربعة في الوصول إلى الحقيقة حتى أن كبار الفقهاء عندما بدءوا تصفيف المؤلفات عن أصول الفقه، وجدوا أن “المبادئ الأربعة” من الطبيعي إدراجهم كما هي، بينما أدرك القليل أن هذا المنهج العقلي قد وضع القرآن في مساواة مع مصادر مستنبطة بشريًا؛ وطبقاً لرؤية واصل الكونية، يجب أن لا يفهم معنى القرآن مفرداً بل في ظل إرشاد دقيق من السنة والإجماع والقياس؛ إلا أن “المبادئ الأربعة” التي حكمت الخطاب الفقهي منذ ذلك اليوم فصاعدًا مستشكلة بطبيعتها؛ أولاً: أصبح كتاب الله – عند الفقهاء – ليس القرآن الذي نجده اليوم في بيت كل مسلم، بل يشمل أيضاً قراءات مختلفة تفسح مجالاً كافياً أمام اختلاف التفسير، ثانياً: صار للسنة مفهوم دائم التغير، وأصبحت مصطلحاً فضفاضاً يشمل أيضاً أفعال المسلمين الأوائل، ثالثاً: إن الإجماع مجاز زائف حيث لم يحدث إجماع على أي من المسائل، وقد أصبح محل خلاف بين العلماء مسألة ما إذا كان يمكن تقنين إجماع الفقهاء القدامى أم لا، رابعاً: أما بالنسبة للقياس الذي يعد مصطلحاً شاملاً للاستحسان، والاستصلاح، والمصلحة المرسلة كما يدخل فيه الاجتهاد أيضا، فهو على الدوام عصب الخلاف بين فقهاء المذاهب المتباينة، فهذه إذن أصول الفقه الأربعة التي أسرت الفكر الفقهي لقرون.
يحفل تاريخنا الفكري بالعديد من الوقائع التي حاول فيها الإصلاحيون الخروج من بوتقة الإجماع والقياس، غير أن المذهب الظاهري والسلفي لم يمكنهم إحراز أي تقدم كبير رغم إصرارهم على النص ورفضهم للإجماع والقياس ونفورهم من الفقهاء، ويرجع فشلهم في هذا جزئياً إلي اعتمادهم الشديد على الحديث وجزئياً إلي عدم تحليهم بالشجاعة الكافية للخروج من القالب الفقهي التقليدي، صحيح أنهم ينفروا من فكرة اتباع مذهب أبو حنيفة أو الشافعي، إلا إنهم أخضعوا أنفسهم طواعية لرواة الكتب الستة، ربما أوهموا أن اعتمادهم على أحاديث العصر النبوي يجعلهم أقرب إلي الفهم الحقيقي للنص، لكنهم واجهوا أيضا في كتب الحديث أحاديث تبدو متعارضة تعارضًا مباشرًا مع “النص” وأحاديث غير صالحة للتطبيق، منها ما نجد في صحيح مسلم عن المتعة وأحجار الصلاة وهما أمران مازال الشيعة يمارسونهما، وقد تساءلوا بسخرية لماذا أعطى مصنفو كتب الحديث تلك الأحاديث عن جهل أهمية غير مستحقة لرواة تلك الأحاديث، لكن هناك أيضاً أحاديث مشكوك فيها على نحو مساوٍ لا يمكن اعتبارها بأي شكل صالحة في أي مجتمع متحضر، منها الأحاديث التي تخبرنا بأنه إذا أراد شخص السماح لذكر غير محرم دخول بيته بلا حرج، يجب على زوجة الشخص أو حماته إرضاع هذا الرجل خمس رضعات، وبهذا يتحول الرجل إلي قريب يسمح له بزيارة البيت كأي فرد من أفراد العائلة؛ وقد روى الإمام أحمد والإمام مسلم واقعة مشابهة عن أبي حذيفة، حيث سألت زوجة أبي حذيفة النبي  فقالت يا رسول الله: “إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه، فقال النبي : “أرضعيه”، كما روي أيضاً أن عائشة لما كانت ترغب أن يتردد عليها أحد في بيتها، كانت عادة ما تطلب من أختها أم كلثوم أو أي من بنات أخواتها أن يرضعنه خمس رضعات.
لم يكن سهلاً على هؤلاء الذين جعلوا كتب الأحاديث مساوية للقرآن وجعلوا رواتها مكافئين لجبريل أن يرفضوا مثل هذه الأحاديث غير المعقولة بالكلية، فبالرغم من رفضهم للإجماع والقياس، لم تتمكن حركة أهل الحديث من تحقيق أي تقدم حيث وجدت نفسها في شرك أحاديث لا يمكن الجمع بينها ومتعارضة، فلم يستطع أي من ابن تيمية وابن حزم وحديثاً ابن عبد الوهاب وولي الله من تغيير قالب الفقه مع أن جميعهم قد ثاروا على الفكر التقليدي، ولا شك أنهم قللوا إلي حد ما من شأن الإجماع الفقهي وأنكروا القياس بشدة لكنهم لم يجرؤوا على التشكيك في دور الأحاديث في التفسير، فالتاريخ كما تواتر إلينا عبر رواة الحديث ظل منطقة مقدسة عندهم لأن الإيمان بالتاريخ كان ضرورياً إذا ما أرادوا السير على خطى السلف الصالح، كما أن الإصلاحيين السلفيين تجاهلوا ببساطة بطريقة ما سؤالاً أساسياً محيراً: إذا كان اليقين في السلف شرطاً أساسياُ للإيمان، فأين فرصة ظهور اجتهاد جديد إذاً؟
إن كسر قالب الفقه أو إحداث تغيير في الفكر التقليدي إنما هو في الواقع أولى خطوات الاجتهاد، وربما يسهل علينا فعل ذلك إذا أدركنا أن قالب الفقه نتاج تاريخ وليس مفروضاً من قبل الله؛ إن فترة نشأة الفقه هي زمن رواج المنهج التحقيقي اليوناني، فضلاً عن تعرض مراكز الفكر في البلدان الإسلامية للقضايا العقدية والوجودية لدى المسيحيين، فالجدل حول “خلق القرآن” المتصور إنما كان نتاجاً جوهرياً لاستجابة المسلمين لفكرة “كلمة الله” لأنه من الطبيعي لمعتنقي الإسلام الجدد أن يفهموا الدين من خلال مصطلحات وقوانين مألوفة لديهم، لذا لما انتشرت المعاهد الإسلامية مؤخراً في العالم الإسلامي ونهض العلماء الخصوصيون بدور مفسري الإسلام، بات من المعتاد لهم منح تلاميذهم إجازة تشبه كثيراً لقبsemikha عند اليهود، كما أن ظهور رجال الدين في الإسلام يرجع، إلي حد كبير، إلى التقليد الحاخامي اليهودي الذي يرى أن الفتوى مراد إلهي، ومع عدم استمرار حكام الحاضر – أولو الأمر – في القيادة الروحية، لم يعد لدى العامة سوى العلماء الخصوصيين للتوجه إليهم في الأمور الدينية، وقد وفر هذا جواً ملائماً لظهور كثير من الصور المتباينة بل والمتعارضة في الغالب للإسلام؛ ففي أقل من قرنين، سمعنا عن من يتحدث عن اثنين وسبعين فرقة مبتدعة في الإسلام، وأضحي الوضع فوضويًا للغاية حتى صار الوصول إلي تعريف عام متفق عليه للإسلام مطلب الساعة، ونجح أبو الحسن الأشعري – الذي حاول مع غيره عمل توليفة من الاتجاهات المتعددة السائدة – في إيقاف الهجوم الضاري للمعتزلة، غير أن فرقة الأشاعرة التي كانت استجابة لظروف زمانها أخذت تدريجياً مكانة مرموقة حتى أن العلماء المتأخرين قالوا إنها عقيدة أهل السنة والجماعة وذلك بفضل جهود الغزالي (المتوفى 505هـ) والرازي (المتوفى 606هـ)؛ وقد ذكر الأشعري في كتاب الإبانة عن أصول الديانة – مع كتاب الله وسنة النبي وأفعال الصحابة وفهم علماء الحديث – أحمد ابن حنبل على وجه الخصوص الذي قال عنه أن الله قد وهبه فهماً صحيحاً للدين ليهدى الناس وليبطل البدع والشقاق، وتوضح ثقة الأشعري في ابن حنبل أنه حتى علماء فترة النشأة الذين لعبوا دوراً رئيسياً في صياغة قالب الفقه كانوا معارضين لأي تقييم نقدي لأي من الشيوخ العظام. ولم يكن انتصار الأشاعرة على المعتزلة وغيرها من أطياف الإسلام يرجع إلي أن المرء يرى فيها النقاء الفطري للرسالة النبوية بل ببساطة لما كانت تتمتع به من مناصرين من أمثال الغزالي والرازي اللذين واجها معارضة شرسة في زمانهما شأنهما في ذلك شأن ما يقع في كل المعارك الفكرية؛ فقد تلقى الأول استهجان منابر المساجد كما تعرضت كتب الأخير في جميع أنحاء العالم الإسلامي للحرق، أما الآن فيعتبر الأشعري حامي الأيمان وكذلك يدعى الغزالي بحجة الإسلام تبجيلاً له.
كانت الفلسفة البحتة – خلاف علم الكلام – عنصراً آخر في صياغة العقيدة، فقد قام مسيحي لبناني في العهد العباسي بنشر ترجمة عربية لكتاب Enneads الذي سرعان ما انفك مرجعاً لإثبات تعقيد الإنسان، وقد سجل المؤرخون أن هذا الكتاب حاز على تقدير رفيع كما لو كان قرآناً آخر. ظل كل من الفلسفة وعلم الكلام على مدار ما يقرب من أربعمائة عام يعملان في مجالات مختلفة؛ فكانت الفلسفة مجال المفكرين الدنيويين في حين كان الثاني شائعاً بين العلماء التقليديين، إلا أن هذا الخط الفاصل تلاشي في القرون المتأخرة حين أصبحت الفلسفة حامية الإيمان وهادمته أيضاً، فاستولت الفلسفة التي كانت على هامش الخطاب الفكري إبان عهد الكندي (المتوفى 870) والفارابي (873- 950) على المكانة البارزة بفضل جهد ابن سينا الذي منحها شرحه “السبب الأول” بعض الشرعية، وكما نجح ابن حزم (965-995) والغزالي (1057-1111) في توظيفها لخدمة الدين، واتخذ ابن رشد خطوة أخرى عندما افترض أنه عند المقارنة بالآخرين، فإن الفلاسفة أكثر أهلية لتفسير القرآن.
لا يمكن أن يكون أي تحليل للقالب التقليدي شاملاً دون ذكر متصوفة الإسلام الذي يعد تأثيرهم هائلاً، وسنكتفي في شرح هذه النقطة بذكر اسمين فقط هما شهاب الدين السهروردي (1155-1191) وابن عربي (1165-1240). تأثر الأول تأثراً كبيراً بكل من زرادشت، أفلاطون، وابن رشد، أما الثاني فيعرف بآرائه القابلة للتعددية الدينية، ولعبت المصنفات الصوفية مثل قوة القلوب، وإحياء العلوم، وعوارف المعارف، ومثنوي معنوي دوراً جوهرياً في تشكيل العقلية الإسلامية، كما أن مؤلفات ابن تيمية والشوكاني وابن عبد الوهاب تعتبر في الحاضر أدوات فعالة في خلق العقلية السلفية، أو مؤلفات المودودي وقطب التي تعد مصدراُ حيوياً للإسلاميين، أو كتب الفضائل في تشكيل المنظور الديني البسيط لحركة التبليغ، فإن القالب الإسلامي التقليدي هو حاصل اتجاهات متعارضة مختلفة عبر التاريخ.
ولتحرير العقل المسلم من القالب العقائدي التقليدي، فإننا لسنا في حاجة إلا إلي كسر القالب ذاته، فلا يمكن أن يؤتي الاجتهاد في الإطار الفقهي أكله إلا إذا غيرنا قواعد اللعبة، وقد قامت العقيدة التقليدية حتى الآن بحراسة الاجتهاد والسيطرة عليه عن كثب، لذا فإن فكرة الاجتهاد لن تكون ناجحة في إطار القواعد الثابتة وباعتباره واحداً من أصول الفقه، وهكذا فإن ما نحتاجه ليس مجرد الاجتهاد بالمعنى التقليدي للفظ بل الاجتهاد في مفهوم الاجتهاد ذاته.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق