Slider Post

أمام إيران اما اصلاح النظام أو الإنتحار

راغدۃ درغام

  1. تضارب المؤشرات والتصريحات الروسية في شأن إنسحاب جميع القوات غير السورية من سورية ومدى انطباقها على إيران و”حزب الله” جاء كجرعة بلبلة إضافية على تلك التي رافقت إعلان وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو “إستراتيجية إيران” التي ادرجت ١٢ شرطاً انما بلا آلية تنفيذ وبدون ما سمي ب”خريطة ديبلوماسية لهيكلية أمنية جديدة.” الطرف الذي يصعّد ميدانياً هو إسرائيل التي كثّفت عملياتها العسكرية ضد المواقع الإيرانية في سورية – وهذا جديد لافت في العلاقة التهادنية تقليدياً ما بين إيران وإسرائيل. آفاق تطور هذه العلاقة ستلعب دوراً أساسياً في الخيارات التي ستدرسها طهران على ضوء تصاعد التهديدات الأميركية وتباين المواقف الأوروبية الرسمية منها والتجارية وكذلك على ضوء تضارب الرسائل الروسية. الأرجح أن تقرر القيادات الإيرانية أن أفضل خياراتها هو الرهان على السمعة الأميركية المعهودة المتميزة بالتقلب وعدم القدرة على تنفيذ الإلتزامات والتعهدات والمعروفة بالتخلي عن الحلفاء والاصدقاء. ستحاول طهران شراء الوقت. ستتجنب المواجهة المباشرة مع إسرائيل في سورية فيما تعزّز قبضتها في مواقع نفوذها في الدول العربية الأساسية لمشروعها الإقليمي وفي مقدمتها العراق ولبنان واليمن. ستلوّح بأوراق التخريب الأمني التي في حوزتها بالذات في أماكن مثل البحرين ودول خليجية أخرى. ستقمع داخلياً لمنع مخطط إسقاط النظام المدعوم أميركياً وهي واثقة من أن واشنطن لن تجرأ على التدخل مباشرة في الداخل الإيراني بأكثر من تطويق النظام إقتصادياً عبر العقوبات. ستحاول ترميم العلاقة مع الأوروبيين وتعزيز العلاقة مع روسيا والصين بهدف “عزل” الهجوم الأميركي عليها الذي تبناه الرئيس دونالد ترامب. مدى نجاحها في كل ذلك يعتمد على مدى قدرة دونالد ترامب على الإستمرارية بلا تراجع وعلى ما تقرره إسرائيل لجهة جدية عزمها  قطع الطريق على التمدد الإيراني في سورية.

    ما سيقاومه أركان الحكم في إيران وفي مقدمتهم مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله خامنئي و”الحرس الثوري” هو إصلاح النظام لأن ذلك، في اعتقادهم، يعني عملياً تدمير النظام القائم على تصدير الثورة ونموذج الحكم إلى الدول العربية. انما ماذا لو اثبتت واشنطن جدية العزم على اركاع أركان الحكم في إيران إقتصادياً بهدف اخضاعهم لضرورة إصلاح النظام، وإلا امامهم الإنهيار والإنفجار من الداخل؟ ماذا لو كانت السياسة الإسرائيلية الجديدة قراراً إستراتيجياً ثابتاً بالتنسيق مع واشنطن قوامه الإستمرارية ونسف السمعة الأميركية المعهودة؟ ماذا لو كانت موسكو جدية في إعادة رسم اولوياتها في سورية وإختارت التفاهمات مع الولايات المتحدة بصفتها الند الحقيقي وقررت أن الوقت حان لإبلاغ طهران أن التحالف معها كان تكتيكياً وليس تحالفاً إستراتيجياً دائماً؟ هل يؤدي كل ذلك بالقيادة الإيرانية إلى إعادة الحسابات والرضوخ إلى متطلبات إصلاح النظام والتخلي عن مشاريع التوسع الإقليمية؟ أم هل يقرر “الحرس الثوري” أن ما استثمره في ساحات معاركه العربية يستحق الإحتفاظ به حتى ولو كان ذلك عبر المغامرة بالإنتحار؟

    هذه الأسئلة ليست انشائية وإنما في طيات الاجوبة عليها معالم المرحلة الآتية إلى الشرق الأوسط والخليج. أفضل السيناريوهات هو أن يؤدي التموضع القائم، بالذات أميركياً وروسياً، إلى تلك الصفقة الكبرى السلمية التي تؤدي إلى التنازل والتراجع الضروري للاعبين اقليميين مثل إيران وتركيا بالذات في الساحة السورية والعراقية واليمنية واللبنانية.

    لكن المعضلة الإيرانية ليست هامشية أو عابرة. إيران قد لا تقرر خوض حرب مباشرة مع إسرائيل، لكنها قد تقرر نسف مصالح حيوية أميركية – وحتى روسية – في المنطقة العربية، إذا إستنتج “الحرس الثوري” أن مصيره على المحك. بكلام آخر، ان الورقة الإيرانية التي يلوح بها حكام إيران هي الورقة التخريبية أمنياً وإقتصادياً وعنوانها: عليّ وعلى أعدائي. والسؤال هو عندئذ: ماذا سيكون الرد الأميركي على إستخدام تلك الورقة؟

    الولايات المتحدة ليست بلا خيارات بما في ذلك الخيار العسكري المتاح لديها عبر “قوات التحالف في سورية حيث يتواجد “الحرس الثوري” و”حزب الله”. إدارة ترامب تتبنى حالياً سياسة الإخضاع عبر العقوبات وتعتقد أن الوضع الإقتصادي الداخلي وإنهيار العملة الإيرانية سيكبّل القدرات العسكرية للتوسع الإيراني في الجغرافيا العربية. انها بدورها تشتري الوقت لأنها تعتبره لصالح استراتيجيتها. دونالد ترامب لا ينوي الإنخراط عسكرياً ضد إيران بصورة مباشرة، وبالتأكيد ليس في داخل الأراضي الإيرانية. انما في حال لجوء القيادة الإيرانية إلى عمليات تخريبية كبرى في الدول الخليجية، قد لا يلتزم دونالد ترامب بعدم إستخدام القوة العسكرية ضد المصالح الإيرانية رداً على الإستفزاز.

    ما تفعله إدارة ترامب حالياً هو الضغط على الدول الأوروبية لتكون شريكاً معه في إقناع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بان لا مجال أمامها لتنفيذ مشروعها القائم على التوسّع والهيمنة الإقليمية. الحكومات الأوروبية تقاوم. لكن الشركات الأوروبية فهمت التهديدات الأميركية وبدأت الضغط على الحكومات بعدما أوضح ترامب ان العقوبات ستطال هذه الشركات العالمية إذا ما ثابرت في علاقاتها مع إيران. هذا هو العنوان الأساسي لإنسحاب الولايات المتحدة من الإتفاق النووي مع إيران ومطالبتها بمعالجة العيوب في الإتفاق ذاته إلى جانب التصدي لمشاريع الصواريخ الباليستية والهيمنة الإقليمية.

    على صعيد العلاقات مع روسيا، تعمل إدارة ترامب نحو التفاهمات في سورية بدءًا بضرورة حل العقدة الإيرانية وليس عقدة بشار الأسد التي كانت في الماضي عقدة أساسية. فواشنطن ليست في عجلة للتخلص من الأسد وهي مستعدة لإعطاء روسيا القيادة في هذه المسألة. لذلك، تضغط موسكو نحو تعديلات دستورية وتقريب موعد الإنتخابات الروسية، فيما توقفت واشنطن من الدفع في إتجاه محاسبة ومحاكمة الأسد والتحقيق في ارتكابه جرائم الحرب.

    الخبراء الروس المقربين من صنع القرار يناقضون بعضهم عند تفسير ما قاله الرئيس فلاديمير بوتين عن إنسحاب القوات الأجنبية من سورية، جزء منهم يقول أنه قصد قوات “التحالف الدولي” المتواجدة بلا إذن من الحكومة السورية، وجزء آخر يؤكد أنه قصد إيران وحلفائها الميدانيين في سورية. توزيع أدوار كان ذلك، أو بلبلة، هناك الآن ما لم يكن مطروحاً في السابق وهو مصير المشروع الإيراني في سورية. روسيا حريصة على علاقاتها الإسرائيلية والاميركية وهي راغبة في محاصرة إيران وغاياتها في سورية لأن الخلاف الأساسي بينهما هو أن موسكو تريد دولة في سورية بينما طهران تريد تطبيق نموذجها القائم على قوات غير نظامية موازية للجيش النظامي وتريد رئيساً خاضعاً لها وليس لروسيا.

    بشار الأسد ليس منتصراً مطلقاً، كما يود البعض الإيحاء، لأنه غير مستقل عن املاءات موسكو أو طهران بل ان بقاءه في السلطة مرهون بالعلاقة بين الإثنين. من ناحية، الأفضل له الإنتماء إلى إيران لأنها الحليف المتمسّك به شخصياً الذي لم يفرّط به في اية لحظة فيما روسيا لمّحت أحياناً بالإستعداد للإستغناء عنه. لكن إيران تريد إضعاف البنية الأساسية للنظام والجيش النظامي وهي أيضاً الطرف المفلس مادياً الواقع تحت العقوبات بينما روسيا تملك مفاتيح إعادة الإعمار وهي مصرّة على دولة شرعية في سورية رافضة النموذج الإيراني هناك. ثم ان روسيا دولة كبرى تؤمن أنها هي عنوان الإنقاذ وعنوان الإستقرار، وليس إيران.

    إيران أمام مفترق حاسم مهما راهنت على وهن الوعود الأميركية أو القدرة الأميركية على الإستمرارية. خيار إصلاح النظام هو خيار حكيم وليس خياراً إنهزامياً لأنه يوفر للجمهورية الإسلامية فرصة لملمة نفسها داخل حدودها وإنقاذ اقتصادها وبناء علاقة صحية مع الداخل الإيراني ومع الجيرة العربية ومع الدول الكبرى – أميركا وروسيا والدول الأوروبية. أما خيار الإنفجار ففيه إنتحار مهما بدا للقيادة الإيرانية أنه في مصلحتها.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق